لم تكن بداية مؤسسة بريق مجرد مبادرة إغاثية عابرة، بل انطلقت من سؤال طرحته طفلة حُرمت من حقها في التعليم، ليتحول هذا السؤال إلى مشروع إنساني متكامل وصل أثره إلى أكثر من 26 ألف مستفيد خلال عشر سنوات، جامعًا بين التعليم والتمكين والإغاثة والتنمية.

وقالت رئيسة مجلس إدارة مؤسسة بريق، رولا العجة في حديثها لمدونة وطن: إن فكرة المؤسسة بدأت عام 2013 في الشمال السوري، أثناء المشاركة في بناء خيام للمهجرين السوريين بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وأضافت: "كنا نجلس مع الأطفال داخل المخيمات، ودار حديث مع مجموعة من الفتيات، من بينهن طفلة متفوقة تُدعى ليلى، سألت عن التعليم وأخبرتنا أنها لا تذهب إلى المدرسة لأن أهلها يخشون عليها، عندها أدركنا أننا نركّز على الإغاثة ونغفل بناء الإنسان، في حين يجب أن يسير التعليم والإغاثة معًا بشكل متوازٍ."

من أنشطة بريق المتنوعة

وأوضحت العجة أنه جرى التواصل مع الداعمين، وتم إنشاء ست خيام تعليمية في مناطق مارع وتل رفعت وتيالين شمال حلب، مع توفير وسائل الحماية للخيام وتوظيف معلمات من أبناء المنطقة، لتعليم الفتيات داخل أماكن سكنهن.

وأكدت أن التجربة حققت نجاحًا كبيرًا، وكانت الشرارة الأولى لمسيرة التعليم في مؤسسة بريق.

مدام رولا العجة رئيس مجلس ادارة مؤسسة بريق ورغد الراوي المدير التنفيذي بالمؤسسة

من الأردن إلى سوريا

الزميل نديم في مؤسسة بريق مع مدام رولا العجة و الاستاذ سامر الحموي

وأشارت العجة إلى أن الظروف الصعبة في الشمال السوري دفعت فريق العمل إلى الانتقال إلى الأردن لمواصلة دعم اللاجئين السوريين، حيث انطلقت المؤسسة هناك رسميًا، وبدأت بـ 15 طفلًا وطفلة فقط، قبل أن يرتفع العدد إلى 150 مستفيدًا خلال أسبوع واحد، وصولًا إلى أكثر من 26 ألف سوري استفادوا من برامجها خلال عقد من الزمن.

وأضافت أنه بعد تحرير سوريا، اتخذت المؤسسة قرارًا بالعودة إلى الداخل السوري، حيث حصلت على موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبدأت مباشرة تنفيذ برامجها داخل البلاد.

وبيّنت أن المؤسسة تعمل حاليًا من خلال مركزها الرئيسي في أبو رمانة بدمشق، إضافة إلى مركز آخر في كفر بطنا ، كما تستعد لافتتاح مركز للتدريب المهني وروضة أطفال في الأول من آب المقبل.

برامج متنوعة لبناء الإنسان

وأكدت العجة أن أنشطة المؤسسة توسعت لتشمل برامج التعليم والتدريب والتأهيل في مجالات متعددة، منها الصحة والأنشطة الفنية، إلى جانب برامج متخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، تشمل دورات في الحاسوب، وبرامج توعوية للأمهات، إضافة إلى دورات مهنية تدمج الأشخاص ذوي الإعاقة مع أقرانهم، بما يعزز مفهوم الدمج المجتمعي.

وحول أبرز التحديات، أوضحت أن الصعوبات المالية والإمكانات المحدودة ما تزال تشكل عائقًا أمام التوسع، إلا أنها كانت دافعًا لمضاعفة الجهود، مشيرة إلى أن العديد من المنظمات الداعمة التي رافقت المؤسسة في الأردن واصلت دعمها بعد انتقالها إلى سوريا، ومنها منظمات من كندا والولايات المتحدة وبريطانيا.

وأضافت أن المؤسسة تحظى بتعاون وتسهيلات من وزارتي التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية والعمل، وتسعى إلى التوسع في مناطق جديدة حول دمشق، مع خطط مستقبلية للعودة إلى محافظات كانت تنشط فيها سابقًا، مثل درعا وحمص والغوطة، بعد توقف العمل فيها نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الحرب.

تعليم وتمكين وشراكات

من جانبها، أوضحت المديرة التنفيذية لمؤسسة بريق، رغد الراوي، أن المركز يضم قاعات تعليمية وتدريبية مخصصة للأطفال والشباب والنساء، إضافة إلى برامج إنسانية تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة.

وأكدت وجود تجاوب واسع من المجتمع المحلي، حيث انضم عدد من الأهالي إلى المؤسسة كمتطوعين، فيما يساهم آخرون بخبراتهم في مجالات التعليم والتدريب المهني.

وأضافت..أن المؤسسة تواصل إطلاق مبادرات تعليمية مجانية، من بينها: دورة مجانية للغة الإنجليزية مخصصة للمعلمين، يحصل المشاركون فيها على شهادة حضور موقعة من شركة أمريكية.

كما تعمل على تنظيم ورش عمل وبرامج ودورات مهنية متنوعة منها ورشة تدريبية حول إدارة وفض النزاعات، تتناول الحلول الودية إطلاق وبرنامج "المهندس الصغير"، الذي يتيح للأطفال التعرف إلى مبادئ الكهرباء والمغناطيس والآلات من خلال تجارب عملية تنمي التفكير العلمي بالإضافة إلى إقامة نادٍ صيفي للأطفال الصم وإطلاق دورة مجانية للرخصة الدولية لقيادة الحاسوب ICDL للأشخاص الصم، تُقدَّم بالكامل بلغة الإشارة.

وتابعت رغد حديثها: نظمت المؤسسة رحلة تعليمية مجانية لطلاب المؤسسة إلى "دمشق القديمة"، شملت متحف الطب والعلوم وسوق مدحت باشا، بهدف ربط التعلم بالخبرة الميدانية.

كما شاركت في تنظيم حفل إطلاق المؤسسة السورية للذكاء الرقمي "سيف"، إيمانًا بأهمية التكنولوجيا والمعرفة في بناء مستقبل سوريا.

إشادة بجهود الفريق

بدوره، أشاد الإعلامي مهند الترك بالجهود الكبيرة التي يبذلها فريق مؤسسة بريق في مجالات التعليم والترفيه والتمكين، ولا سيما البرامج الموجهة للأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.

وأكد أن الفريق يعمل بروح تطوعية عالية، ويسعى إلى تقديم كل أشكال الدعم الممكنة للأسر المحتاجة، خاصة تلك التي تأثرت بالأزمة السورية، سواء داخل سوريا أو خارجها، قبل أن تتركز الجهود حاليًا في دمشق وريفها، مع تطلع المؤسسة إلى توسيع نطاق خدماتها خلال المرحلة المقبلة.

وبين خيمة صغيرة أُقيمت لتعليم طفلة في مخيم شمال سوريا، ومراكز تعليمية ومهنية تستقبل اليوم آلاف الأطفال والشباب، تواصل مؤسسة بريق رحلتها لترسيخ قناعة مؤسسيها بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل سوريا، وأن التعليم يبقى الطريق الأقصر نحو التعافي والتنمية وصناعة الأمل.