على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا، وفي جنوب الجولان المحتل، تقبع بين التلال والوديان قرية كنف، التي جمعت بين خصوبة الأرض ووفرة المياه وعراقة الاستقرار البشري لم تكن كنف مجرد موضع سكن، بل كانت نموذجاً للقرية السورية التي قامت على الزراعة وتربية المواشي وصيد الأسماك، في مجتمع متماسك تحكمه صلات القرابة والمصاهرة، وحمل أبناؤها ذاكرتها معهم بعد نزوحهم القسري عام 1967.
كنف والوظيفة التاريخية
منحها موقعها أهمية خاصة؛ إذ اجتمعت فيها خصوبة التربة، واعتدال المناخ، ووفرة المياه والمراعي، والقرب من البحيرة، وهي عوامل أسهمت بحسب المهتم بتراث الجولان، محمد السلوم في استقرار السكان وازدهار الزراعة، وجعلت منها محطة حيوية على خريطة الجولان الزراعية.
ويصف السلوم، في حديثه لمدونة وطن "كنف" بأنها قرية تتبع ناحية البطيحة في منطقة فيق بمحافظة القنيطرة. تقع في سهل لحقي على الجانب الغربي من هضبة الجولان، شرقي بحيرة طبريا، شمال دير عزيز وجنوبي وادي عيون حمود، وجنوب شرقي بلدة البطيحة بنحو خمسة كيلومترات ويورد السلوم أن عدد سكانها عام 1967 بلغ نحو 202 نسمة.
يربط السلوم اسم "كنف" بوظيفتها التاريخية كمكان لتجميع حبوب فلاحي الجولان وسهل البطيحة، حيث كانت هناك مبانٍ تعود إلى العصر العثماني، وربما إلى فترة أقدم، تُجمع فيها الحبوب تمهيداً لنقلها باتجاه حاصبيا ثم إلى مناطق الدولة العثمانية وهكذا حملت القرية في اسمها دلالة على دورها الاقتصادي الريادي في تخزين قمح المنطقة.
بحسب روايات كبار أبناء كنف، أقيم جزء من القرية فوق خربة قديمة، وكشفت التنقيبات عن مقاعد حجرية تحمل كتابات، وأحجار أبنية، وبقايا إفريز وفخار تعود إلى العهود الرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية
وفي عام 1885، زار المستشرق البريطاني لورنس أوليفانت كنف، وسجّل وجود آثار ومنحوتات، بينها مخزن حجري للحبوب. وجاءت حفريات عام 1932 لتكشف عن آثار إضافية، تؤكد أن كنف عرفت الاستقرار البشري منذ عصور متعاقبة، وأن الزراعة والمياه كانتا شريان الحياة فيها.
ينابيع الحياة الأربعة
يروي الحاج فاعور الزراق أن الماء كان أساس الحياة في كنف، وأن القرية عُرفت بأربعة ينابيع رئيسية هي: عين التينة، عين النشيب، عين كنف، والعين الشمالية. وكانت هذه الينابيع مرتبطة بمنشآت وقناطر حجرية، كما عُثر عند عين كنف على سرداب طويل، واعتمد عليها السكان في الشرب وسقي المواشي والمزروعات والبساتين.
وإلى جانب المياه الوفيرة، كانت الزراعة مصدر الرزق الرئيسي، وفي مقدمتها الحبوب والخضار المبكرة، التي استفادت من المناخ الدافئ والتربة الخصبة. واشتهرت منطقة البطيحة والزوية بإنتاج الخضار والفواكه التي كانت تصل إلى أسواق دمشق. وربّى الأهالي الأبقار والأغنام والماعز والدواجن، وخاصة الأبقار الجولانية، واستفادوا من قرب بحيرة طبريا في صيد الأسماك.
قيم تعزز التماسك الاجتماعي
يقول الأستاذ محمود السعد، من أبناء كنف، إن أبرز العائلات المرتبطة بالقرية هي الزراق والسعد والفيض، وقد ربطت بينها علاقات قرابة ومصاهرة امتدت إلى القرى والمزارع المجاورة.
وأضاف.. تحفظ روايات الكبار صورة مجتمع يقوم على الإخاء والود والتعاون؛ فالضيافة، ومساعدة الجيران، وإصلاح ذات البين، والوقوف إلى جانب الناس في الأفراح والأتراح كانت من ركائز الحياة الاجتماعية، كما كان التعاون واضحاً في الأعمال الزراعية من الزراعة وجني الثمار إلى الحصاد.
ويستذكر أبناء الذياب اليوم أحد أعلامهم، الحاج إبراهيم شنيور الزراق، بوصفه شخصية ارتبط اسمها بالحضور العشائري والرجولة والتضحية، وبخبرة واسعة في شؤون العشائر.
ومن أبرز العادات التي تعكس قيم التعاضد والتعاون وبقيت حاضرة في الذاكرة "التعليلة"، إذ كان أهل القرية يجتمعون ليلاً على ضوء مصابيح "اللوكس"، وتقام السهرة كل مرة في بيت من البيوت. وفي موسم حصاد القمح والشعير، كان العمل يمتد أحياناً إلى الليل، فيجتمع التعب والسمر وترديد الأغاني في مشهد يعكس روح الجماعة الواحدة.
ويذكر محمود السعد أن عدداً من أبناء كنف درس في مدرسة القصبية المجاورة، بإشراف معلم من عشيرة الزنغرية، وفي عام 1955، أصبح أحد أبناء القرية أول أكاديمي في مجال المحاماة، في مؤشر على انتقال المجتمع تدريجياً من الزراعة إلى التعليم والمهن الحديثة.
كنف في مواجهة النكبة والنزوح
لم يقتصر حضور أبناء كنف على العمل في الأرض، بل شارك رجال من عشيرة الذياب في مقاومة الاستعمار الفرنسي، كما تحفظ الروايات مشاركتهم في مواجهة محاولات التوغل الإسرائيلي قبل عام 1967.
ومع حرب حزيران، هُجّر أهل كنف ودُمرت القرية، وتفرق أبناؤها في مناطق النزوح، وعلى رأسها دمشق وريفها. ورغم أن عام 1967 قطع صلة السكان بمكانهم، فإن الرواية الشفوية، وخاصة ما يحفظه كبار بيوت الزراق والسعد والفريج، أبقت تفاصيل الحياة حية.
وهكذا بقيت كنف أكثر من اسم على خريطة الجولان؛ بقيت ذاكرة أرض وقرية وأهل، ينابيعها شاهدة على الحياة، وحقولها على تعب الفلاح، وحجارتها على تاريخ عريق، وتعاليلها على مجتمع متماسك رغم الغياب القسري، تظل كنف جزءاً أصيلاً من الذاكرة الاجتماعية والزراعية والحضارية للجولان السوري، تروي حكاية وطن لا يمحى.
