في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إيجاد مصادر دخل مستدامة للأسر السورية، تبرز المشاريع المنزلية بوصفها أحد أهم النماذج الاقتصادية والاجتماعية القادرة على تحويل المهارات الفردية إلى فرص إنتاج حقيقية.

وبينما تواجه صاحبات هذه المشاريع تحديات تتعلق بالتسويق وضعف منافذ البيع، تأتي البازارات المحلية لتشكل مساحة حيوية تتيح لهن عرض منتجاتهن والتواصل المباشر مع المستهلكين، بما يسهم في دعم الإنتاج المحلي وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال المنزلية.

وانطلاقاً من هذا الدور، استضاف فندق الشرق في دمشق فعاليات بازار "أيادٍ سورية"، الذي استمر ثلاثة أيام بمشاركة نحو 30 مشروعاً منزلياً وأسرياً، في مبادرة تهدف إلى تمكين السيدات اقتصادياً، وتسويق منتجاتهن، وإبراز الإبداع السوري في مجالات الحرف والصناعات اليدوية.

منظمة البازار روعة البرازي مع الزميل نديم معلا

مساحة للعرض وتبادل الخبرات

وشهد البازار تنوعاً كبيراً في المعروضات، شمل الأشغال اليدوية، والخرز الحراري، وصناعة الشموع، ومنتجات العناية الشخصية، والعطور، والإكسسوارات، إضافة إلى مستلزمات المطبخ المصنعة يدوياً، حيث حملت كل مشاركة بصمتها الخاصة التي عكست مهارات حرفية وإبداعاً نابعاً من البيئة المحلية.

من المشاركات رشا دالاتي ومها شعبان

وقالت منظمة البازار روعة برازي، في تصريح لمدونة وطن، إن البازار يهدف إلى توفير منصة حقيقية للسيدات صاحبات المشاريع المنزلية، تمكنهن من تسويق منتجاتهن والوصول مباشرة إلى المستهلكين، في ظل محدودية منافذ العرض التقليدية.

وأضافت أن الفعالية لا تقتصر على البيع والشراء، بل تشكل أيضاً مساحة لتبادل الخبرات بين المشاركات، والاطلاع على تجارب ناجحة تسهم في تطوير المشاريع الصغيرة وتعزيز فرصها التجارية.

من معروضات البازار

وأشارت برازي إلى أن إدارة البازار تعمل على تطوير الفعالية بشكل مستمر، من خلال تنظيم دورات تدريبية متخصصة على هامش المعرض، تقدمها حرفيات يمتلكن خبرات عملية في مجالات متعددة، مع إتاحة الفرصة للمتدربات لعرض منتجاتهن بعد انتهاء التدريب، بما يساعدهن على اكتساب الخبرة والانطلاق نحو سوق العمل بثقة أكبر.

نافذة حقيقية لأصحاب المشاريع الناشئة

وترى المشاركات أن هذه الفعاليات تمثل أكثر من مجرد مناسبة لعرض المنتجات، إذ تعد نافذة حقيقية أمام أصحاب المشاريع الناشئة الذين يفتقرون إلى محال تجارية أو منافذ بيع دائمة.

وفي هذا السياق، أوضحت المشاركة لمى شعبان من اللاذقية أن البازارات تشكل فرصة مهمة للحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة للتعريف بمنتجاتهم والتواصل المباشر مع الزبائن، الأمر الذي يساعدهم على فهم احتياجات السوق وتطوير منتجاتهم بما يتناسب مع أذواق المستهلكين.

وأكدت أن مشاركتها في بازار "أيادٍ سورية" تمثل خطوة أولى نحو المشاركة في معارض أكبر داخل سوريا وخارجها، مشيرة إلى أن توسيع نطاق هذه الفعاليات ليشمل مختلف المحافظات والدول المجاورة من شأنه أن يسهم في إبراز تنوع الحرف السورية وتعزيز حضور المنتجات الوطنية في الأسواق الإقليمية.

من جهتها، عرضت رشا دالاتي مجموعة من منتجات العناية الطبيعية بالشعر والبشرة والجسم، مؤكدة أن جميعها تعتمد على مكونات طبيعية ومواد فعالة آمنة للاستخدام.

وقالت إن مشاركتها في البازار أتاحت لها فرصة التعريف بمنتجاتها أمام شريحة واسعة من الزوار، والتفاعل المباشر مع آرائهم وملاحظاتهم، وهو ما يعد عاملاً مهماً في تطوير المنتج وتحسين آليات التسويق.

وأضافت أن التجربة، رغم ما يرافقها من تكاليف مالية وتحديات تنظيمية، كانت إيجابية وأسهمت في اكتساب خبرة جديدة في التسويق الميداني، فضلاً عن توسيع دائرة التعارف مع زبائن محتملين.

مطالبات بتوفير قروض ومنصات تسويق دائمة

أما المشاركة جمانة منلا، فلفتت إلى أهمية تقديم دعم أكبر للسيدات صاحبات المشاريع المنزلية من قبل الجهات المعنية، كاتحاد الحرفيين ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، من خلال توفير قروض ميسرة، ودعم المشاركة في المعارض، وتأمين منصات دائمة لتسويق المنتجات.

وأوضحت أنها تشارك بصورة مستمرة في المعارض والبازارات بمنتجات يدوية خاصة بمستلزمات المطبخ، مشيرة إلى أن جودة المنتج المحلي أسهمت في زيادة الإقبال عليه خلال الفترة الماضية، وهو ما يعكس ثقة المستهلك بالمنتج الوطني عندما تتوافر له فرص العرض المناسبة.

أبعاد اجتماعية وإنسانية

وترى الإعلامية ريم أل بنود احدى الزائرات أن أهمية هذه البازارات لا تقتصر على تحقيق المردود الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية، إذ تمنح العديد من السيدات فرصة لإثبات قدراتهن وتحويل الهوايات والمهارات المنزلية إلى مشاريع إنتاجية تساهم في تحسين مستوى دخل الأسرة، وتعزز الاعتماد على الذات، وترسخ ثقافة العمل والإنتاج.

وأضافت: كما تسهم هذه الفعاليات في الحفاظ على الحرف التقليدية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، إلى جانب تشجيع الابتكار في الصناعات اليدوية وإيجاد منتجات محلية ذات جودة قادرة على المنافسة.

ويؤكد نجاح بازار "أيادٍ سورية" أن المشاريع المنزلية لم تعد مجرد نشاط محدود داخل المنازل، بل أصبحت أحد روافد الاقتصاد المحلي، وأداة فاعلة لتمكين المرأة وتعزيز التنمية المجتمعية.

ومع استمرار تنظيم مثل هذه المبادرات وتوسيع نطاقها، تزداد فرص وصول المنتجات السورية إلى أسواق أوسع، بما يدعم الإنتاج الوطني ويفتح آفاقاً جديدة أمام الأسر المنتجة والحرفيين، ويعزز قيم التعاون والتكافل الاجتماعي، خاصة في المناسبات والأعياد.