بدأ تاريخ التعليق الرياضي السوري في خمسينيات القرن الماضي مع الإرسال الأول للتلفزيون والإذاعة وقد مرّ هذا المجال بمراحل تطوير هامة، انتقل فيها من مجرد النقل الإذاعي البسيط إلى التعليق التلفزيوني الاحترافي، ليصبح المعلقون السوريون نجوماً بارزين على الساحتين المحلية والعربية أضفوا أجواء من الحماس والتشويق على الحدث الرياضي ومنهم الإعلامي الراحل عدنان بوظو، الذي يُعد رائد التعليق الرياضي السوري وأستاذ أجياله في خمسينيات القرن الماضي

عدنان بوظو.. رائد التعليق الرياضي السوري

بدأ الراحل عدنان بوظو مسيرته الرياضية لاعبًا في نادي بردى الدمشقي خلال ستينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى مجال التحكيم ويحصل على الشارة الدولية، حيث أدار العديد من مباريات الدوري السوري والمباريات الدولية للمنتخبات العربية الزائرة

رائد التعليق الرياضي الراحل عدنان بوظو وعدد من أشهر المعلقين السوريين

وبالتوازي مع دراسته في كلية الحقوق بجامعة دمشق، كان شغفه بالإعلام الرياضي واضحًا، فدخل عالم التعليق مبكرًا عبر إذاعة دمشق، ناقلًا مباريات المنتخب السوري من خارج البلاد. كما قدّم أول نشرة رياضية على شاشة التلفزيون السوري، وواصل رحلته الإعلامية بالتعليق على البطولات المحلية والعربية والدوليةومن أبرز محطات مسيرته نقله لمباريات كأس القنيطرة عام 1974، وبطولات كأس العالم العسكرية، إضافة إلى تكليفه بالتعليق على مباريات كأس العالم في الأرجنتين عام 1978 لصالح عدد من القنوات العربية. كما تولّى رئاسة لجنة الصحفيين والمعلقين العرب أكثر من مرة، ما عزز مكانته كأحد أبرز الأصوات الرياضية العربيةوحظي بوظو بمحبة الجماهير السورية التي ارتبطت بصوته وبرامجه الرياضية، وفي مقدمتها برنامج "ملاعبنا الخضراء" الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ الإذاعة الرياضية السورية

لم تقتصر مساهمة عدنان بوظو على التعليق الرياضي، بل امتدت إلى إعداد وتدريب جيل كامل من المعلقين السوريين الذين تابعوا المسيرة داخل سورية وخارجها ومن بين الأسماء التي برزت في هذا المجال وجيه الشويكي، وياسر علي ديب، وأيمن جادة الذي استطاع لاحقًا أن يفرض اسمه على الساحة العربية عبر القنوات الرياضية المتخصصة

المعلقان المخضرمان باسر علي ديب وشعبان خليل

ويؤكد متابعون أن التعليق الرياضي ليس مجرد امتلاك لصوت جميل، بل يحتاج إلى ثقافة رياضية واسعة، وسرعة بديهة، وقدرة على اختيار المعلومات المناسبة وتقديمها في التوقيت الملائم، بما يحافظ على تفاعل الجمهور ويثري متابعته للمباراة

"ملاعبنا الخضراء".. ذاكرة الدوري السوري

المعلقان الشابان يزن عزي وجلال الشربعي

يُعد برنامج "ملاعبنا الخضراء" من أعرق البرامج الرياضية في إذاعة دمشق، وكان له دور بارز في نقل مباريات الدوري السوري مباشرة إلى المستمعين في مختلف المحافظات الإعلامي القدير شعبان خليل، المقيم حاليًا في هولندا، يستذكر في حديثه لمدونة وطن تلك التجربة قائلًا إن البرنامج انطلق بعد استضافة سورية لدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط عام 1987، مستفيدًا من المعدات والتجهيزات الفنية التي وفرتها البطولة وأضاف أن عدنان بوظو اختاره ضمن أوائل المراسلين الذين شاركوا في تغطية مباريات الدوري من ملاعب حلب والحسكة والقامشلي ودير الزور وغيرها ومن زملاء تلك الفترة الراحل عبد القادر اليوسفي وسفيان جبر وعبدالله خفته وعدنان بكرة وإبراهيم القاسم ومحمود الجمعات وجوزيف بشور

وأشار خليل إلى أن العمل الإذاعي والتلفزيوني آنذاك كان أكثر صعوبة مقارنة بالوقت الحالي، بسبب محدودية التقنيات المتاحة وغياب وسائل الإعادة والتحليل الحديثة، ما جعل نجاح المعلق يعتمد بدرجة كبيرة على حضوره وثقافته وقدرته على نقل الصورة للمستمع والمشاهد عبر صوته فقط

وأكد أن المعلقين السوريين كانوا يحظون بمكانة متميزة على الساحة العربية، وأن العديد منهم أثبتوا جدارتهم عندما أتيحت لهم الفرصة في القنوات الفضائية العربية، معربًا عن أمله في دعم المواهب الشابة لإعادة الحضور السوري المميز في هذا المجال.

أصوات شابة تواصل المسيرة

ورغم تغير أدوات الإعلام الرياضي، لا تزال الساحة السورية تزخر بمواهب شابة تسعى إلى تطوير نفسها ومتابعة الطريق الذي رسمه الرواد.

المعلق الشاب يزن عزي (25 عامًا)، العامل في قناة "أنا سوريا"، يؤكد لمدونة وطن أن شغفه بكرة القدم بدأ منذ الطفولة، قبل أن ينتقل إلى تركيا عام 2017 حيث مارس اللعب والتدريب في أكاديمية "الفهد سبور". إلا أن شغفه الحقيقي بقي مرتبطًا بالميكروفون والتعليق الرياضيويقول عزي إن عودته إلى الوطن منحته فرصة تحقيق حلمه بالتعليق على مباريات الدوري السوري، مشددًا على أهمية تطوير الأداء باستمرار من خلال مراجعة التسجيلات والاستفادة من تجارب المعلقين المخضرمين

ويرى أن نجاح المعلق يعتمد على امتلاك الموهبة الصوتية وسلامة اللغة العربية والقدرة على صياغة قصة خاصة لكل مباراة، إلى جانب الحاجة لدورات تدريبية متخصصة تسهم في صقل المهارات الإعلامية وتعزيز حضور الأصوات السورية الشابة

من جانبه، يوضح جلال الشربعي (23 عامًا)، طالب الهندسة، أن حبه للتعليق الرياضي بدأ منذ المرحلة الإعدادية عندما كان يعلّق على مباريات نادي الطليعة، قبل أن يتم اختياره ضمن قائمة المعلقين الشباب خلال الموسم الحالي

ويؤكد الشربعي أن تطوير المعلق الرياضي يتطلب المشاركة في دورات إعلامية متخصصة، والاطلاع المستمر على تعديلات قوانين اللعبة، إضافة إلى امتلاك ثقافة رياضية واسعة واستخدام لغة سليمة ومفردات دقيقة أثناء الوصف والتحليل.

بين الماضي والمستقبل

يبقى التعليق الرياضي السوري جزءًا مهمًا من ذاكرة الإعلام الرياضي العربي، بعدما أسهم رواده في ترسيخ مدرسة مهنية تركت أثرًا واضحًا داخل سورية وخارجها وبين خبرة الجيل المؤسس وطموح الأصوات الشابة، تظل الآمال معلقة على توفير بيئة تدريبية وإعلامية داعمة تعيد للتعليق الرياضي السوري حضوره المميز على الساحتين المحلية والعربية