لم تكن الراحلة مديحة الماغوط مجرد لاعبة دولية أو مدربة ناجحة في رياضة تنس الطاولة، بل كانت مدرسة رياضية متكاملة أسهمت في صناعة أجيال من البطلات اللواتي رفعن اسم سورية في المحافل المحلية والعربية والدولية وعلى مدى عقود من العطاء، جمعت بين التفوق الرياضي والرسالة التربوية، لتبقى سيرتها حاضرة في ذاكرة أبنائها وتلميذاتها وكل من عرفها.

مسيرة رياضية حافلة بالإنجازات

كانت الرياضة جزءاً من حياتنا اليومية، وكنت أرافقها إلى نادي سلمية منذ طفولتي، ما أتاح لي تعلم الكثير من المهارات الرياضية. دعمتني في جميع مشاركاتي، وكانت مع والدي أكبر مشجع لي، الأمر الذي دفعني لمتابعة دراستي في كلية التربية الرياضية

ولدت مديحة الماغوط في مدينة سلمية عام 1957، وتلقت تعليمها في مدارسها قبل أن تتخرج في المعهد الرياضي بمدينة حلب عام 1977. برزت موهبتها في عدة ألعاب رياضية، منها الجمباز والكرة الطائرة، إلا أن تألقها الأكبر كان في رياضة تنس الطاولة التي كرست حياتها لها لاعبة ومدربة.

من ذاكرة البطولات للبطلة مديحة

بدأت الماغوط التدريب منذ طفولتها على يد المدرب الراحل إبراهيم حسينو، الذي كان له دور كبير في صقل موهبتها ودعم مسيرتها الرياضية. وتمكنت من إحراز بطولة الجمهورية ثلاث سنوات متتالية بين عامي 1976 و1978، كما مثلت المنتخب الوطني السوري في العديد من البطولات العربية والدولية.

وشاركت في بطولات عربية حققت خلالها مراكز متقدمة، أبرزها الميدالية الفضية في منافسات الزوجي والفرق خلال البطولة العربية التي أقيمت في دمشق عام 1980، إضافة إلى مشاركات دولية عدة، من بينها التأهل إلى بطولة العالم في كوريا الشمالية والمشاركة ضمن البعثة السورية في دورة البحر الأبيض المتوسط.

بتن كرة الطائرة حسين الماغوط وشقيقته مي أبناء الراحلة مديحة الماغوط

أم وقدوة قبل أن تكون بطلة

جوائز وشهادات للبطلة مديحة

لم يقتصر تأثير مديحة الماغوط على الملاعب الرياضية، بل امتد إلى أسرتها التي تربت في كنف الرياضة. فابنها حسين الماغوط تخرج في كلية التربية الرياضية عام 2014 وأصبح كابتن فريق الكرة الطائرة في نادي سلمية الرياضي، بينما تألقت ابنتاها مي ورند في رياضة تنس الطاولة، كما مارست الأخيرة كرة الطائرة أيضاً.

ويستذكر حسين والدته في حديثه لمدونة وطن قائلاً : «كانت الرياضة جزءاً من حياتنا اليومية، وكنت أرافقها إلى نادي سلمية منذ طفولتي، ما أتاح لي تعلم الكثير من المهارات الرياضية. دعمتني في جميع مشاركاتي، وكانت مع والدي أكبر مشجع لي، الأمر الذي دفعني لمتابعة دراستي في كلية التربية الرياضية».

وأضاف أن والدته أسهمت في إعداد العديد من البطلات اللواتي حققن إنجازات مميزة على مستوى الجمهورية والمنتخب الوطني، من بينهن عزة برازي وسها هابيل وأصول أبو قاسم وعبير قداح، إضافة إلى بطلات الفئات العمرية سهر ملوك ونغم عزوز.

بصمة راسخة في تطوير تنس الطاولة النسائية

من جهتها، تحدثت ابنتها مي الماغوط للمدونة عن تأثير والدتها في مسيرتها الرياضية، موضحة أنها بدأت ممارسة تنس الطاولة في سن السادسة بإشراف والدتها، وشاركت في بطولات الطلائع والمراكز التدريبية محققة نتائج متقدمة.

وأضافت أن والدتها كانت من أبرز اللاعبات السوريات في تاريخ اللعبة، وأسهمت في وضع اللبنات الأساسية لتطور تنس الطاولة النسائية في سورية، قبل أن تواصل رسالتها كمدربة ومعلمة حتى وفاتها عام 2019 بعد صراع مع المرض.

وتؤكد سهر ملوك، إحدى اللاعبات اللواتي تدربن على يد الماغوط،في حديثها أن مدربتها كانت صاحبة الفضل الأكبر في اكتشاف موهبتها وصقل قدراتها الرياضية، مشيرة إلى أنها رافقتها في مختلف البطولات المدرسية والجمهورية، وكانت أول من آمن بقدرتها على تحقيق النجاح.

أما نغم عزوز، فتصف مدربتها الراحلة بأنها لم تكن مجرد مدربة، بل أماً وموجهاً وداعماً حقيقياً، إذ غرست في نفوس لاعباتها قيم الانضباط والأخلاق الرياضية والالتزام، إلى جانب المهارات الفنية في اللعبة.

بدورها، استذكرت البطلة عزة برازي سنوات التدريب مع الماغوط، مؤكدة أنها كانت مثالاً للإخلاص والتفاني، وقدمت الكثير من التضحيات من أجل نجاح لاعباتها. وأضافت أن الماغوط لم تكن مدربة فحسب، بل كانت أختاً وصديقة ومربية تركت أثراً عميقاً في نفوس كل من تعامل معها.

إرث لا يغيبه الرحيل

رحلت مديحة الماغوط عام 2019، لكنها تركت خلفها إرثاً رياضياً وتربوياً كبيراً ما زال حاضراً في إنجازات تلميذاتها وأبنائها فقد نجحت في تحويل شغفها بالرياضة إلى رسالة حياة، وأسهمت في بناء جيل من البطلات اللواتي يواصلن حمل راية تنس الطاولة السورية.

وتبقى الماغوط واحدة من أبرز الشخصيات الرياضية النسائية في سورية، ليس فقط لما حققته من بطولات، بل لما زرعته من قيم وعطاء وإنسانية في نفوس من تتلمذوا على يديها.