حملت المدافن "المقببة" المكتشفة في محافظة "السويداء" والتي تعددت نماذجها من عصر لآخر، العديد من الموروثات الحضارية المتعاقبة على هذه المنطقة منذ أكثر من ألفي عام، فضمن هذه المدافن يرقد حاملو مشعل الحضارة، وعلى حجارتها جرى تدوين فن العمارة والسجلات التاريخية التي توثق تاريخ الذين وطأت أقدامهم هذه المنطقة، ولتبقى آوابدهم شواهد حية على ما تركه الأقدمون خلفهم من حضارات ما زالت تدرس في الجامعات حتى هذا التاريخ، وليظل فك طلاسمها الشغل الشاغل لباحثي التاريخ والآثار على حد سواء.
36 مدفناً
بالرغم من أن المدافن المقببة تعود الى نهاية العصر البرونزي الحديث، إلا أن اكتشافها وإظهارها للعلن لا يتجاوز عمره ثمانية عشر عاماً، وحسب قول الباحث الأثري "وليد أبو رايد" في حديثه لمدوّنة وطن eSyria، فإن المدافن الأثرية المقببة تنتشر فوق تلة أثرية تقع إلى الغرب من مدينة "السويداء" في موقع يسمى "قصر نجمة"، حيث يعود تاريخ هذه المدافن التي تأخذ شكلاً دائرياً إلى نهاية عصر البرونز الحديث وبداية عصر الأنباط.
ويضيف الباحث: "بنيت هذه المدافن وفق نماذج متعددة، فالنموذج الأول هو الدائري، وتتميز بمداخلها الضيقة والمنخفضة، وقد صممت على هذا الشكل ليقوم زائر هذه المدافن بالإنحناء احتراماً لقدسية الجنائز الموجودة داخل هذه المدافن، وقد وثقت دائرة آثار "السويداء" أكثر من ستة وثلاثين مدفناً مقبباً، كما تقع إلى الشمال من هذا الموقع عدة مدافن دائرية إلا أنها أكثر اتساعاً من النموذج الأول، فالمسقط الداخلي دائري بينما الخارجي مربع حيث تبلغ سماكة الجدران حوالي المترين، وهذه المدافن تطل على باحة مركزية مبلطة تزينها مجموعة من الزخارف والنقوش الأثرية".
ويتابع " أبو رايد" حديثه بالقول: "ينتشر حول الباحة المبلطة عدد من "معازب" الدفن المنحوتة بدقة متناهية، حيث يغلق كل معزب أو مدفن بباب من الخشب أو الفخار، إذ يتم سحب الباب إلى الخارج كالدرج بغية تفريغ المدفن من العظام القديمة".
حجرات فوق التلال
بدوره يشير الباحث الأثري الدكتور "نشأت كيوان" إلى أن نماذج المدافن الدائرية المقببة، أي التي تأخذ شكل الأبراج، تنتشر بكثرة في محيط مدينة "السويداء"، وهذه المدافن مأخوذة من المسكن المنفرد، حيث بنيت على عدة حجرات حيث يقوم بناء كل حجرة على عمود مركزي وذلك بهدف حمل سقف الحجرة.
ويضيف "كيوان": "الملاحظ أن كل المدافن تم بناؤها فوق التلال والهدف من ذلك حمايتها من اللصوص، وقد تم اكتشاف هذه المدافن مصادفة وذلك أثناء قيام أحد القاطنين في المنطقة ببناء منزل سكني، حيث تم إعلام السلطات الأثرية على الفور، وهذه المدافن لحسن الحظ تقع ضمن منطقة مأهولة بالسكان، وهذا ساهم في حماية هذه المدافن من العبث، وحالياً تعمل دائرة آثار "السويداء" على تسجيل هذه المنطقة على لائحة التراث الوطني.
ويلفت "كيوان" الى أن دائرة آثار "السويداء" قامت بأعمال التنقيب في عشرة مدافن، حيث تبين أنها متشابهة تماماً وبنيت من الحجارة البازلتية المحلية الكبيرة وغير المشذبة وهي مدافن أسرية تتسع لأكثر من شخصية، واللقى الموجودة بداخلها عبارة عن أوان فخارية وسرج وأدوات برونزية.
