أغنى أهل الشام لغتهم المحكية بالكثير من المفردات التي تعود أصولها إلى اللسان الآرامي؛ حيث بدأت الاختلاط ببعض المفردات العربية على ألسن الناس وأصبحت مع الوقت لغة العامة.
مدونة وطن "eSyria" التقت بتاريخ 27 شباط 2015، مدرس اللغة العربية "أحمد فواز" الذي يقول: «اللغة المحكية الدمشقية تعود في أصولها إلى اللسان الآرامي، ومن القواعد النحوية المعتمدة في العربية أن الفعل المتقدم على فاعله يبقى في حالة الإفراد "جاء الطالب"، و"جاء الطلاب"، بخلاف القاعدة الآرامية التي تقضي بالمطابقة بين الفعل والفاعل في الإفراد والجمع، ولا تزال هذه القاعدة الآرامية سارية في لغتنا المحكية الشامية، فمثلاً نقول: "إجو الشباب"، و"ضربوني الأولاد"، وقد انتبه النحاة العرب الأقدمون إلى هذا التأثير الناتج من احتكاك العربية بالآرامية وسموه لغة "أكلوني البراغيث"».
كان للتنقلات المكثفة التي شهدتها بادية الشام والعراق انطلاقاً من الجزيرة العربية قبيل الغزو العربي، أثرها في اللغة الآرامية، التي ربما بدأت الاختلاط ببعض المفردات العربية على ألسن الناس، وقد استخدم بعض الوافدين إلى الشام من العرب الكتابة الآرامية لكتابة لغتهم العربية، وهذا طبيعي طالما أن اللغة العربية لم تكن لغة مكتوبة بعد
ويضيف "فواز": «في الآرامية يتعدى الفعل المتعدي إلى مفعوله بواسطة حرف الجر (اللام)، وفي اللغة المحكية يقال: "شفتو للصبي"، "ضربتو لأخوك"، "سمعتو للولد"؛ وهذا لا تجيزه قواعد العربية، وأثر الآرامية واضح في الضمائر نقول في الفصحى: "نحن، وهم"، وفي المحكية: "نِحنا، وهنِّي" طبقاً للآرامية، إضافة إلى قلب الميم نوناً في ضمير المخاطب والغائب، نقول في الفصحى: "أبوكم، وبيتهم". وفي المحكية: "أبوكن، وبيتهن"؛ وهذه خاصة من خواص الآرامية، وليس في الفصحى وزن فوعل، ولكنه شائع في الآرامية، وكذلك في المحكية نقول: "حورك، ودوقر"؛ أي أوصد الباب».
ويشير مدرس اللغة العربية ومؤلف عدة كتب عنها "فهد شيخ الزور" بالقول: «كانت "دمشق" في الألف الأول قبل الميلاد مملكة آرامية مستقلة، يتكلم أهلها بالآرامية، ومع بداية العصور الكلاسيكية اصطحب "آلكساندر الأكبر" معه أكثر من مئة ألف عائلة استقرت كلها في "سورية"، وكان لـ"دمشق" حصة كبيرة من هذه الجالية اليونانية، وقد استقروا تحديداً في منطقتي "باب شرقي، وباب توما"، أما الآراميون فسكنوا داخل المدينة، خصوصاً في نواحي "باب الجابية"، وهو ما أحدث تداخلاً طبيعياً بين لغات السكان، لكن هذا لم يمنع من أن تتحول اللغة اليونانية إلى لغة تشبه وضع الفصحى اليوم فهي لغة التعبير عن الثقافة لغة الأدب، الشعر، الفلسفة، العلم؛ باختصار لغة "الأنتلجنسيا" السورية، إضافة إلى كونها لغة البرجوازية في تلك الفترة. أما في معظم مناطق "سورية" فبقيت الآرامية لغة العامة من الناس والفلاحين تحديداً».
ويتابع: «من دوائر الآرامية في اللغة المحكية الشامية والمستخدمة إلى يومنا هذا، كلمات منها: "أو.. واوا" تقولها الأم لصغيرها ردعاً له وتخويفاً من أن يلمس شيئاً يؤذيه، وقول الأم لصغيرها: "حاجي تعيّط"، كفاً له عن الحركة والمرح في غير وقتهما، وكلمة "بَحْ" بمعنى قول الأم لوليدها كناية عن نفاد الشيء المطلوب، و"شلف" أي "رمى الشيء بعيداً"، وهناك كلمة "الشربوكة" تقال إذا صعب الأمر وتعقد، وهناك "بحش الأرض" أي حفر، و"جهجه" الضوء انبلج الصبح وبان، وكلمة "نطّ" أي "قفز"، وكلمة "زيح" أي ابتعد».
ويشير الباحث التاريخي "موسى الدمشقي" في دراسته التي حملت عنوان "الأصول الآرامية للكلمات المحكية في العامية الدمشقية" بالقول: «كان للتنقلات المكثفة التي شهدتها بادية الشام والعراق انطلاقاً من الجزيرة العربية قبيل الغزو العربي، أثرها في اللغة الآرامية، التي ربما بدأت الاختلاط ببعض المفردات العربية على ألسن الناس، وقد استخدم بعض الوافدين إلى الشام من العرب الكتابة الآرامية لكتابة لغتهم العربية، وهذا طبيعي طالما أن اللغة العربية لم تكن لغة مكتوبة بعد».
ويضيف: «بعد مضي أكثر من ألفي عام اضطربت المنطقة فيها اضطراباً لا نجد له مثيلاً في مناطق أخرى من العالم، وبعد أن دخلها من الثقافات واللغات ما لا يعدّ، بقيت الكثير من معالم وآثار الآرامية واضحة وجلية في لغتنا العامية الدمشقية المحكية، وفيما يلي نقدم غيضاً من فيض الكلمات التي لا تزال متداولة حتى اليوم، ويجب ألا ننسى أن قواعد الصرف في معظمها بقيت على حالها الأصلي دون مساس، ومن ذلك وضع الاسم قبل الفعل، فنقول: فلان قال، بدلاً من قال فلان، كما في القاعدة العربية».
ويختم بالقول: «هذه بعض المفردات والأسماء الآرامية في عامية "دمشق" التي تعود إلى أكثر من الفي عام من الآن، مع العلم أنه ليس بالضرورة أن تكون المقاطع الهجائية تلفظ أو تكتب بنفس الطريقة بالآرامية، فقد ينقص بعض الكلمات في آخرها حرف الواو، أو الألف، لكنها كمادة آرامية دون استثناء مثلاً: "أتغندر - غندرة" وهي كلمة آرامية لا تزال تستخدم في المحكية الشامية؛ وتعني تتمايل في مشيتها، و"إزا" ظرف زمان بمعنى (إذا – حينئذ) العربيتين، و"إيد" تعني يد، وكلمة "براني" وتعني الخارجي، وكذلك الحال بالنسبة لكلمة "جواني"، وإضافة نون زائدة في الاسم تعد شاذة في العربية ودخيلة إليها، لكن أصولها المتفق عليها سريانية آرامية، و"دقَّر" (الباب مثلاً) أي أقفله».
