بخط يده وضمن دفاتر خاصة سماها "دفاتر الجمعية"، قام بتدوين الحياة اليومية لأهل "حلب" لمختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والصحية.
الأستاذ "يوسف إبراهيم" أستاذ فلسفة في ثانويات "عفرين" يقول حول المرحوم "نعوم بخاش" لمدونة وطن "eSyria" بتاريخ 19 حزيران 2014: «ينتسب المرحوم "نعوم بخاش" لعائلة "بخاش" المسيحية المعروفة في "حلب" وهي عائلة أصلها من "الهند" وكانت مشهورة بحرفة بخش الأحجار الكريمة (اللؤلؤ).
كان يسجل "البخاش" التاريخ في أول كل أسبوع بالميلادي حسب التقويم الغربي والشرقي والهجري ويذكر أعياد مختلف الطوائف والمذاهب الدينية، وكان معظم تلاميذه ذكوراً ومسيحيين كما كان هناك بعض الإناث إضافة للمسلمين واليهود، وظل يعلم القراءة والكتابة في مكتبه طوال 48 عاماً حتى وفاته في العام 1875م
و"نعوم بخاش" الذي عاش قبل حوالي 150 سنة كان له دور كبير في تعليم أبناء مدينته مبادئ القراءة والكتابة مبكراً كما قام بتدوين أخبار المجتمع من حوله ومن مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والصحية.. إلخ في دفاتر خاصة سميت لاحقاً من قبل محققي هذه الدفاتر بدفاتر الجمعية، حيث كان يدون فيها تلك المعلومات والأخبار كل جمعة أو كل أسبوع ففي مدينة "حلب" الأسبوع يسمى شعبياً "جمعة"».
الباحث والمهندس "عبد الله حجار" تحدث حول "بخاش" قائلاً: «"نعوم بخاش" هو "نعمة الله" بن "إلياس" ولد بمدينة "حلب" من أسرة مسيحية عربية أتت من بلاد "الهند"، وقد كانت هذه العائلة مشهورة بصناعة تقليدية هي بخش اللؤلؤ فسميت ببخاش.
وبحسب المؤرخ "عيسى اسكندر المعلوف" فقد توزعت هذه العائلة بعد قدومها من "الهند" في كل من "حلب" و"دمشق" و"مرعش" و"زحلة" و"مصر".
بالنسبة لتاريخ ولادة "نعوم بخاش" فإنه غير معروف ولكننا نعرف تاريخ وفاته وذلك عام 1875م وتحديداً أواخر شهر شباط، كان من طائفة السريان الكاثوليك ولم يكن متزوجاً وليس له إخوة بل خمس أخوات.
تعلم "نعوم بخاش" القراءة والكتابة من الشماس "إلياس هزاز" وكان يقرأ العربية والتركية والسريانية واليونانية بينما لم يكن يجيد الفرنسية على الرغم من معاشرته لكثيرين من الأجانب المقيمين بـ"حلب"، وكان يتمتع بخط جميل وطالما كان يدعى من قبل رؤساء الطوائف الدينية وأصحاب السلطة لتخطيط نقش أو لوحة أو أبيات شعر في دورهم السكنية وكتابة الرسائل التجارية، ومن أعماله المهمة التي أنجزها في حياته كتابة الفاتحة على حبة من الأرز كان أهالي "حلب" وقاصدوها يأتونه ليروها، كما قام بنسخ مقامات "الحريري" في العام 1837م.
كما قام "بخاش" بإنشاء مكتب لتعليم القراءة والكتابة وكان ذلك في 9 تشرين الأول من العام 1827م، ولا نعرف ماذا كان عمله قبل ذلك التاريخ وقد ذكر في دفاتره بأنه عمل بالتجارة إضافة إلى التدريس، وكانت مكتبته واقعة في إحدى الدور المحيطة بساحة المطران "الياس فرحات" في حي "الجديدة" اليوم، أما داره فقد كانت مجاورة لكنيسة الأرمن الكاثوليك جهة الجنوب».
وحول دفاتره الشهيرة يضيف: «خلف "نعوم بخاش" خمسة دفاتر اطلع على أمرها الأب "فردينال توتل" وكان صبياً في العام 1896م؛ أي بعد وفاة "بخاش" بتسعة عشر عاماً، وأخذ يبحث عنها ويجمعها فبلغ عددها خمسة دفاتر محفوظة اليوم في المكتبة الشرقية لجامعة القديس "يوسف" في "بيروت"، وقد سمى دفاتره "دفاتر الجمعية" لأنه كان يكتب مذكراته أسبوعياً في كل يوم جمعة بينما سماها الأب "توتل" يومية "نعوم بخاش".
الهدف من كتابة الدفاتر بالأصل كانت مادية حيث كان يسجل فيها مدفوعات تلاميذه كل جمعة وفي أسفل الصفحة يذيل بما تبقى من الصفحة أخباراً عن تلامذته أو أخبار المجتمع من حوله من حارة وكنيسة وسكان، وتنوعت الأخبار المكتوبة عن بيئة ذلك المجتمع وأحداثه من زواج وخطبة وأفراح وأعياد ووفيات، وصيد سمك وطيور في بساتين "حلب" على "نهر قويق"، إلى غير ذلك من الأحداث الدينية والاجتماعية والثقافية، ووقوع آفات وأمراض تضر بالصحة.
كان المعلم "نعوم بخاش" يكتب باللغة العامية الدارجة وبخط جميل وواضح وناعم، ويبدو من يومياته أنه كان ذا خصال حميدة باراً بوالديه محباً لأقاربه صادقاً ومتديناً وتقياً، يواظب على أداء واجباته الدينية، كما كان يحرص على معلوماته ودقتها فيذكر كل واردة وشاردة مهما صغرت، ومما تميزت به دفاتره هو كتابته لبعض الكلمات المعيبة بالمقلوب مثل "قرع" ويقصد به "عرق"».
ويتابع: «كان يسجل "البخاش" التاريخ في أول كل أسبوع بالميلادي حسب التقويم الغربي والشرقي والهجري ويذكر أعياد مختلف الطوائف والمذاهب الدينية، وكان معظم تلاميذه ذكوراً ومسيحيين كما كان هناك بعض الإناث إضافة للمسلمين واليهود، وظل يعلم القراءة والكتابة في مكتبه طوال 48 عاماً حتى وفاته في العام 1875م».
ويختم: «يمكن للباحث أو المؤرخ أن يستشف الكثير من المعلومات غير المعروفة من خلال التغلغل في تواريخ اليوميات، وكذلك التعرف إلى المعلومات والطرف التي تعطينا فكرة عن العبارات التي كانت مستعملة وعن بساطة المجتمع بهمومه وأفراحه ومأكولاته، والأدب الشعبي في كلماته المحكية وممارسات الطب الشعبي والحصول على الوصفات من العطارين والتنفيذ من قبل الحلاقين.
إن القراءة المتأنية والدقيقة والمركزة ليوميات المعلم "نعوم بخاش" تساعدنا على استخلاص الكثير من الأخبار والحياة الاقتصادية والاجتماعية وخصوصيتها في حي "الجديدة" الحلبي العريق وما حولها ما بين 1835-1875م، وهي بحق من عيون تراثنا الشعبي الحلبي الأصيل، وهي بحاجة إلى مزيد من الدراسات التي يمكن استنباطها بالغوص بين السطور واكتشاف مكنوناتها».
