تكاد مدينة "دمشق" تكون من أكثر الحواضر العربية في اتصاف اسم المرء بكنية ترادف اسمه وتلتصق به، فتميزه من غيره، وتكاد تكون سمة مميزة له بين أقرانه، كما أن الكنيات تعابير اصطلاحية من فنون الأدب الشعبي نشأت بالأصل من وجدان الشعب، لتصبح تعبيراً صادقاً عما يجيش في النفوس من الآراء والأفكار في صياغة لطيفة مختزلة التعبير.
مدونة وطن "eSyria" أجرت اتصالاً هاتفياً بتاريخ 8 آب 2014، مع الباحث التاريخي "محمد فياض الفياض" الذي تحدث عن الكنيات الشامية بالقول: «ارتبطت الصناعات الدمشقية بكنية العاملين بها حتى صارت سمة مميزة لهم، فتم رصد 294 طائفة من الكنيات الشامية المرتبطة بالحِرَف، ومنها على سبيل المثال كنية "السروجي" والمرتبطة بمهنة سروج الخيل، و"القهوجي" المرتبطة ببائع القهوة، و"الحكواتي"، و"الخوام" بائع القماش الخام، و"الداية" المرتبطة بمهنة الولادة، و"الساعاتي" و"الجزماتي"».
تعابير اصطلاحية من فنون الأدب الشعبي نشأت بالأصل من وجدان الشعب، فتداولها الناس من السلف إلى الخلف عاملين فيها صقلاً وتهذيباً إلى أن استقرت مع ما يتوافق عليه الوجدان الجمعي والذوق العام؛ لتصبح الكنيات تعبيراً صادقاً عما يجيش في النفوس من الآراء والأفكار في صياغة لطيفة مختزلة التعبير
ويضيف "الفياض" بالقول: «ارتبطت بـ"دمشق" الكنيات التي اعتمدت على التجارة كبيت "القباني" و"الصباغ" من يقوم بصباغة "الملابس"، و"الصائغ" من صياغة الذهب، ومن الكنيات من ارتبطت بمهن زراعية وبيطرية "البيطار" والمختصين بتركيب حذوة الحصان، وخلال فترة الاحتلال العثماني والمصاهرة بين الأتراك والشوام سادت كنيات لا تزال حتى يومنا هذا كـ"البغجاتي" و"الخانجي"».
ويشير السيد "فرد شعبان" من سكان "دمشق" بالقول: «درجت على لسان عامة الناس في "دمشق" تعابير وأقوال يرتسم بها الواقع الاجتماعي ويتوافر في مفرداتها وتعابيرها قوة في المعنى وخصب في الدلالة، وتتسم بالحلاوة والرقة وتتعايش مع ما يعتلج في الصور وما هم عليه من تواصل وتواد وتراحم وصلات اجتماعية وإنسانية، فهناك الكثير من الحرف والمهن الشامية ارتبطت بالعاملين بها، إضافة إلى ارتباط الأحياء بكنياتهم كـ"المزاوي"؛ ونعني بها سكان المزة، و"الميداني" من أهل الميدان، و"الصالحاني" من الصالحية، وغيرها».
ويشير الباحث "منير كيال" في كتاب "كنيات الشوام في الألقاب والتخاطب والنداء" بالقول: «لكنيات الشوام خاصية في التعرف على المرء في "دمشق"، جعلت لدمشق سمة وميزة يمكن أن تكون إلى جانب السمات والميزات الأخرى التي تفرّدت بھا ھذه المدينة، وقد تأتّت ھذه الخاصية في كنى أبناء "دمشق" عن ظروف وعوامل عملت على التصاق ھذه الكنية باسم ھذا الإنسان حصراً، فقد حمل أھل ھذه الكنية كنيتهم بعامل الوراثة، ودون التمحيص في المعنى الأساسيّ أو المضمون المرتبط بھا».
ويعرف الباحث "كيال" الكنيات بالقول: «تعابير اصطلاحية من فنون الأدب الشعبي نشأت بالأصل من وجدان الشعب، فتداولها الناس من السلف إلى الخلف عاملين فيها صقلاً وتهذيباً إلى أن استقرت مع ما يتوافق عليه الوجدان الجمعي والذوق العام؛ لتصبح الكنيات تعبيراً صادقاً عما يجيش في النفوس من الآراء والأفكار في صياغة لطيفة مختزلة التعبير».
ويضيف: «تدل الكنية التي تنسب إلى حرفة أو صنعة على الحرف والصناعات التي كانت رائجة في عھد أو فترة معينة من الزمن، ما يساعد على إلقاء الضوء على النشاط الاقتصادي في تلك الفترة، فمثلاً "الزربطاني" هي كنية من يعمل (زرّ السبطانة)، ذلك أن آل الزربطاني ھم من يعمل، في صنع زرّ البندقية أو المسدس بل المدفع».
ويتابع: «وقد ينسب المرء إلى حرفة مارسھا أحد أجداده وتوارثھا أبناء ھذه الأسرة، كالصباغ والنجار والحداد والمبيض والطرابيشي، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الكنى التي نحافظ ونكنى بھا إنّما ھي وليدة المصادفات، ونتيجة إصرار الآخرين على إلصاقھا بھذا المرء أو ذاك لتصير علامة فارقة للواحد منّا، ولنورّثھا إلى الأولاد فالأحفاد، وحتى تكتسب الكنية ھذه الخصوصية لا بدّ من انتشارھا واشتھارھا بين الناس، فيعرف بھا المرء وتصبح صفة ملازمة له ولأسرته فلا يعرف إلاَّ بھا».
