"ضرب المندل" من التقاليد الشعبية القديمة التي يلجأ إليها الناس في "حلب" وريفها بهدف فك أسرار السرقات المستعصية، والتعرّف على السارقين واللصوص أو على ملامحهم.
حول هذا التقليد وطقوسه الاجتماعية تحدثت لمدونة وطن "eSyria" بتاريخ 14 حزيران 2014 العمة "فاطمة صاغر" قائلة: «إن تقليد "ضرب المندل" هو تقليد معروف عند سكان مدينة "حلب" ويعود إلى أزمنة قديمة جداً حيث لا يعرف أحد تاريخ البدء بممارسته وما زال الكثيرون يلجؤون إليه عند الحاجة.
يعتقد الناس أن الجان يساعدون "ضارب المندل" في فك لغز عمليات السرقة المستعصية من خلال بحثهم عن السارق ومعرفة صفاته وإخباره بها، ولذلك فإن "ضارب المندل" هو شخص خبير بأمور الجان وهو الوحيد القادر على جمعهم وتفريقهم لأن جمعهم وعدم القدرة على تفريقهم سيؤدي إلى جنونه وغضب الجان عليه
قبل قرن أو قرنين من الزمان كانت الأعراف والتقاليد الاجتماعية هي بمنزلة قوانين تحكم المجتمع وبموجبها كانت لكل قضية اجتماعية حلها المناسب، ومن هذه التقاليد "ضرب المندل" الذي كان الوسيلة المثلى لمطاردة اللصوص والتعرف عليهم بعد عجز الناس عن التعرف عليهم.
"ضرب المندل" هو التقليد، و"ضارب المندل" هو الشخص الذي يمارس هذا التقليد ويقوم به عادةّ في بيته، ويتم ذلك بطريقتين أساسيتين؛ الأولى من خلال تمعنه في إناء ماء مقروء عليه، أي قراءة آيات قرآنية وعبارات خاصة به لا يفهمها إلا "ضارب المندل"، وخلال تحديقه في الماء تظهر له صورة اللص أو بعض صفاته كأول حرف من اسمه، أو لون بشرته، أو طوله، ولون شعره، ومكان إقامته، وغير ذلك، وبعد الانتهاء من عملية التحديق في الماء يتلو "ضارب المندل" هذه الصفات على الشخص الذي سُرق منه فيسهّل عليه أمر الوصول إليه.
في الطريقة الثانية يستخدم "ضارب المندل" طفلاً أو طفلة؛ وذلك بأن يستلقي الطفل على ظهره ليقوم "ضارب المندل" بتغطيته ببطانية أو لحاف بشكل كامل ليصبح الطفل في ظلام، ثم يبدأ قراءة بعض الآيات القرآنية وبعض العبارات غير المفهومة والمبهمة وبصوت خافت، وبعد الانتهاء من ذلك يبدأ توجيه أسئلة للطفل من قبيل: هل ترى أحداً يقترب من بيت فلان أي الشخص الذي سُرق منه؟ فيجيبه: نعم، فيسأله: هل تعرفه؟ يجيبه: كلا، هنا يبدأ سؤاله عن صفات الشخص الذي يراه، فيتحدث الطفل عن ذلك بحسب ما يتراءى له تحت اللحاف».
وختاماً، قالت: «يعتقد الناس أن الجان يساعدون "ضارب المندل" في فك لغز عمليات السرقة المستعصية من خلال بحثهم عن السارق ومعرفة صفاته وإخباره بها، ولذلك فإن "ضارب المندل" هو شخص خبير بأمور الجان وهو الوحيد القادر على جمعهم وتفريقهم لأن جمعهم وعدم القدرة على تفريقهم سيؤدي إلى جنونه وغضب الجان عليه».
وحول الفرق بين "ضرب المندل" و"الاستخارة" قالت السيدة "أمينة حمو" من حي "الأشرفية": «يلجأ الناس لضارب المندل لمعرفة السارقين واللصوص بهدف استرداد مسروقاتهم، أما "الاستخارة" فتلجأ إليها النسوة تحديداً؛ حيث يقمن بزيارة الشخص المختص ذكراً كان أم أنثى ليقوم بعمل استخارة لهن ومساعدتهن على القيام بأمر ما أو عدم القيام به، مثلاً امرأة جاء من يخطب ابنتها وهي لا تعرف عنه شيئاً سوى أنه غني وميسور الحال، هنا تلجأ للاستخارة لسماع النصيحة والعمل بها».
وفي "موسوعة حلب المقارنة" للعلامة "خير الدين الأسدي" ورد حول "ضرب المندل" ما يلي: «يقولون ضرب مندل أي استخرج الخفايا بالنظر إلى ماء في إناء يزعمون أنه يتراءى فيه الخفي، وسمي بالمندل أو المندلي العربية المأخوذة عن الهندية وهو عود طيب الرائحة يشعل لدى "ضرب المندل" وأجوده "القاقلىّ"، أو عود يطرّى بالمسك والعنبر واللبان ويُجلب من "الهند" من بلدة "كورد مندل"، وقيل إنها من "المندل" الهندية وهي الدائرة التي يرسمها الساحر على الأرض، وكذلك من "المندل" الهندية وهي "الطبلة"، ويتندرون بـ"حلب" فيقولون إن أصلها من عبارة: "من دلّ".
وهناك مجموعة أسماء للجان تظهر في "ضرب المندل" أو فتحه وهذه الأسماء كما وردت في الموسوعة: "عاقصة" وهي ملكة من ملوك الجان، "جعتر" وهي قبيلة من قبائل الجان، "السيسبان" أحد ملوك الجان، "شمهورش" اسم قاض من قضاة الجان، "عيروض" اسم ملك من ملوك الجان، "كركر" يردد اسمه من يشتغل في "ضرب المندل" على أنه اسم ملك من ملوك الجان عندهم، وكذلك "مرجان" وهو أحد ملوك الجان».
في "عفرين" سألنا الأستاذ "محمد جميل" – إجازة في علم الاجتماع عن تقليد "ضرب المندل"، فأجاب: «"ضرب المندل" كما يسميه الناس هو جزء من التقاليد الشعبية القديمة والموروثة عبر الزمن كانت ذات يوم -وتحديداً قبل التطور الثقافي في المجتمع- إحدى الوسائل الطقوسية التي يلجأ إليها الناس لحل مشكلاتهم، أما اليوم فإنها -إضافة إلى غيرها من التقاليد المشابهة- إحدى صور التخلف الاجتماعي ومن العادات البالية التي يجب علينا الابتعاد عنها باللجوء إلى الوسائل العصرية الفعالة؛ كالقوانين وأجهزة الشرطة والمحاكم القادرة على حل مشكلاتنا بمختلف أنواعها وأشكالها.
إن هذه التقاليد هي جزء من أعمال المشعوذين والمنجمين واستخدام بعض الآيات القرآنية فيها الهدف منه هو التأثير في الناس من خلالها».
