نحات يشبه أعماله التي تطلق إجابات عن أسئلة المتلقي، لا تأسره المادة ولا تفرض عليه شروطها، هو راع لهواجسه متناغم مع موسيقا مطرقته لينتج أعمالاً تقدم رسائل بيئية إنسانية.

مدونة وطن "eSyria" التقت النحات "جدعان قرضاب" بتاريخ 2 آذار 2014، وكان الحوار التالي:

عندما راح يستدرج الحجر ويستنهض مكونات المادة فيه رغم قسوتها ويطرح مسوغاته الجمالية من خلال الفكرة والموضوع والملمس والتكوين قدم رؤية جديدة، ومن المؤكد أنه قرأ رسالات هذا الحجر، وتبوح أعماله في خاطر عفوي قوامه الإنسان الذي يشغل تفكير الفنان وتصوراته؛ حيث فيه المبتدأ والخبر والحامل والمحمول والزرع والحصاد، بمعنى أن الإنسان يشكل المحور الذي يأخذ بناصية الموقف والتعبير سواء أكان بالمفرد أم المثنى أم الجمع، وقد تلحق به مفردات من هنا وهناك تكمل العمل أو توضح مغزاه، لذا جاءت أعماله لتصب في هذا التوجه بتأكيد الموضوع وشرعية حضوره ومصداقية النحات عندما تحاصره الفكرة وتلح عليه، فالفكرة هي الموضوع والمنحوتة هي استجابة للموضوع خاصة في المجموعة الأولى من أعماله لذا نقرأ عناوين مثل: "الشهيد"، و"معركة المزرعة"، و"حواء وآدم". ولا شك أن لمجموعاته باعتماد الخشب قراءات أوسع تظهر اهتمامه بتكوين الإنسان وحضوره الطاغي على هذه الأعمال

  • في أعمالك يناجينا وجع الإنسان ومعاناة النفس البشرية، ونعلم أن للفن في الزمن المادي مقتضيات، فما الذي يجعل الفن قادراً على حمل الرسالة الإنسانية في هذا الزمن؟
  • منحوتة بعنوان الاحتباس الحراري من أعمال النحات جدعان قرضاب

    ** لأن الفن نابع من معالجة عميقة خالصة في ذات الفنان تتكئ على تصوراته أفكاره رؤاه الإنسانية والاجتماعية والثقافية، وبقدر الانغماس في المفهوم المادي نجد على الضفة الأخرى مفاهيم تواجه هذا الانغماس وتحاكي صورة الإنسان النقية الصافية، ليكون المنتج الفني الحقيقي القادر على معالجة الوجع الإنساني وتجسيده على البازلت والخشب وأي مادة يمكن للفن تطويعها، فالفنان في البداية إنسان وهذا الإنسان هو محور الحياة والقادر على إدارة عجلتها، وقد جاءت مجموعتي الأخيرة من الخشب متممة لهذه الفكرة، ومن ناحية أخرى فإن كل أنواع الفنون تكمل بعضها بعضاً لأن كل فنان له هاجس معين؛ وهذا الهاجس نابع من تربيته وتعليمه ومستوى تفاعله مع المجتمع وإحساسه بالكره الذي يحدث على نطاق الإنسانية في هذا العصر كل ذلك يخلق لديه هاجساً ليجسده بهذا الشكل أو ذاك، محارباً الحقد والكره وكل ما يشوه نقاء الإنسان.

  • رغم فقدان الأمل، ما الذي يجعل الفنان يرسم الأمل أو على الأقل يتابع عمله الفني؟
  • ملقيات الهم البشري في منحوتة تضم إلى مجموعته الجديدة

    ** المآسي التي يمر بها البشر تخلق عند الفنان حالة تشبه ردود الفعل وتحرك لديه المخزون الحضاري داخله والمخزن العبقري وذاكرته السريالية العالية، في الحرب العالمية الثانية كان عازفو البيانو يواصلون العزف والانفجارات والحرائق تحيط بهم ولم يتوقفوا على العزف، وكذلك الفنانون في بقاع أخرى من العالم وتجارب إنسانية واسعة النطاق جعلت البشر يستمدون الأمل من هذا النوع من الفنون التي لا تتوقف عند حدود الأمن والاستقرار لأن الحياة تستمر ولا بد لها من منتج وإذا كان هذا المنتج فنياً ورسالة تضيء لمستقبل قريب فهي بادرة تحتوي الأمل، وتتمكن من نثره لعيون المتلقين وقلوبهم، وتخلق حالة من التحدي للواقع، ولدى الفنان طاقة وحيوية تجعله يختلف عن محيطه الإنساني ليكون غير قادر على الاستسلام للحدث السيء بقدر ما لديه من طاقة على تشكيل شمس لغد يرسمه بروحه الطامحة للوحة، ومنحوتة تعكس ظل الحياة المتدفقة بالحب والعمل والفضاء الواسع المبدع والخلاق.

  • تنتصب في حديقة المركز الثقافي في "السويداء" منحوتة توقفت عندها لوقت طويل؛ حدثنا عن هذا العمل الذي ناقش قضية بيئية؟
  • منحوتات بازليتية تشكل جزءاً من مسيرة الفنان

    ** هذا العمل بعنوان الاحتباس الحراري قدمته كاحتجاج على ما تتعرض له البيئة من أذية ممنهجة بفعل تسلط الرأسمالية واهتمامها بالربح على حساب صحة الإنسان، والسعي وراء الربح دون الانتباه إلى الإنسان ودوره الحضاري وصحة وسلامة البيئة والنباتات والكائنات بشكل عام، ويقاس الاحتباس الحراري على عدة حالات يظهر فيها السعي إلى تحجيم دور الفن والقيم الجمالية الصافية، ولعلي في هذا العمل أوجه رسالة لحماية الأرض، وكيف تثقل تجاوزات الإنسان كاهل الأرض التي احتضنته.

  • تزخر منحوتاتك بأعمال البازلت والخشب، هل الفنان مقيد بخيارات المادة؟
  • ** للفكرة أثرها في انتقاء المادة؛ فهناك أعمال تنفذ على البازلت قد لا تنفذ على الخشب، ومن خلال تجربتي في مرحلة قديمة كنت أعمل مع فنان وهو الصديق الفلسطيني "عبد الحي مسلم" كنا ننفذ أعمالنا بالخشب وكنت أنفذ مواضيع اجتماعية سياسية مختلفة، وعندما انتقلت إلى "السويداء" عدت إلى الخامة الأساسية وهي البازلت، ولم أبتعد عن الخشب الذي تربطني معه علاقة حميمية لا يمكن تجاهلها، وبالعودة إلى علاقة الفنان مع المادة فمن وجهة نظري الفنان ليس أسير المادة ويمكن له العمل بأي مادة عندما تكون الفكرة وما لديه من مواضيع ورؤى ناضجة سواء عن طريق الخشب أم الحديد أم المعادن، ولديه مساحة كبيرة من الحرية لانتقاء المادة المطلوبة التي يستطيع من خلالها تجسيد موضوعه.

  • تعاملت مع التقنيات الحديثة في أعمال البازلت والخشب، لكن يعرف عنك الانحياز إلى المطرقة والأزميل، لماذا؟
  • ** اختبرت تقنيات مختلفة لكن للمطرقة والأزميل حضوراً تؤكده تلك العلاقة الروحية بين الفنان والمادة التي يعمل بها، ومحاكاة حقيقية حميمية وقريبة فعلى طرقات هذه المطرقة تضبط إيقاعات العمل التي تتناغم مع روح الفنان رؤيته تشكيله للعمل زواية العمل تحولات المادة ونشوة النجاح عندما تضع المطرقة بصمة على هذا العمل، ولن نغالط الواقع أن المطرقة قد تضع بعض الأخطاء، وفي إحدى الطرقات قد يخسر الفنان العمل لكنها خسارة يمكن تعويضها وقد يكون في تكرار التجربة تجدد للرؤية الفنية التي تجاهر بالظهور مع التعمق في تفاصيل العمل، وأحياناً أشعر وفي حالات الفراغ من العمل بأني أفتقد الصوت فلهذا الصوت حالة وجدانية وتشاركية تجعله مرافقاً لي وليس يبخل بخلق حالات من الشعور الغنية بما لدي من مواد تتفاعل مع هذا العزف اليدوي الرصين والأليف.

  • تكوينات إنسانية تميل إلى التجريد وظهور صريح لجسد الإنسان في أعمالك، حدثنا عن رؤيتك؟
  • ** جسد الإنسان، دماغه، وكل تفاصيل هذا التكوين شيء مهم وهو أرقى الكائنات؛ وهذا الرقي لا بد من إظهاره بهذا الشكل أو ذاك، وعندما نحاكي تكوين الإنسان لدينا قدرة على استثمار التفاصيل فيكفي أن يكون لتكوين الإنسان حضور ووجود نجسده في ظهور رمزي، وبتكوين يوحي بقدر الإنسان بفكره وقدرته العضلية على إدارة عجلة التاريخ، وهذه حالة الدوران، وهو القادر على تصحيح المسار.

    في إحدى قراءات الفنان "جمال العباس" لأعمال النحات "جدعان قرضاب" تناول علاقته مع الإنسان وقال: «عندما راح يستدرج الحجر ويستنهض مكونات المادة فيه رغم قسوتها ويطرح مسوغاته الجمالية من خلال الفكرة والموضوع والملمس والتكوين قدم رؤية جديدة، ومن المؤكد أنه قرأ رسالات هذا الحجر، وتبوح أعماله في خاطر عفوي قوامه الإنسان الذي يشغل تفكير الفنان وتصوراته؛ حيث فيه المبتدأ والخبر والحامل والمحمول والزرع والحصاد، بمعنى أن الإنسان يشكل المحور الذي يأخذ بناصية الموقف والتعبير سواء أكان بالمفرد أم المثنى أم الجمع، وقد تلحق به مفردات من هنا وهناك تكمل العمل أو توضح مغزاه، لذا جاءت أعماله لتصب في هذا التوجه بتأكيد الموضوع وشرعية حضوره ومصداقية النحات عندما تحاصره الفكرة وتلح عليه، فالفكرة هي الموضوع والمنحوتة هي استجابة للموضوع خاصة في المجموعة الأولى من أعماله لذا نقرأ عناوين مثل: "الشهيد"، و"معركة المزرعة"، و"حواء وآدم". ولا شك أن لمجموعاته باعتماد الخشب قراءات أوسع تظهر اهتمامه بتكوين الإنسان وحضوره الطاغي على هذه الأعمال».

    يذكر أن النحات "جدعان قرضاب" من مواليد "السويداء"، عام 1945، درس في معهد "أدهم إسماعيل" للفن التشكيلي، وهو خريج كلية الحقوق جامعة "دمشق"، عام 1977، وعضو اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين في "السويداء".