حال صناعة الدبس في "سورية"، كما الكثير من الصناعات الريفية التي شبت عليها أجيال وأجيال، فبعدما كانت المعاصر الحجرية وسيلة أساسية في ضمان قوت الناس من فاكهة العنب، حلّت الآلات الجديدة وبات «التراث» شيئاً مستهجناً، كما الحال مع باقي الصناعات.
مدونة وطن "eSyria"، زارت بتاريخ 21 كانون الثاني 2014، معصرة العنب في "قلعة جندل"، التي تنتج مادة الدبس، أو ما يسمى العسل الأسود، واطلعت على أقسامها ومراحل عصر العنب، والتقت الباحث التاريخي "مرعي كحل"، فقال: «مازالت صناعة الدبس على الطريقة التقليدية الغارقة في القدم؛ التي عرفتها الحضارات منذ أن اكتشف الإنسان المذاق الطيب لعناقيد العنب، متبعة إلى وقتنا الحاضر، حيث يتمتع الدبس بنكهة طبيعية طيبة يفتقر إليها إنتاج المعاصر الحديثة.
يمكن أن يؤكل الدبس مع الخبز كأي نوع من المربيات، أو يشرب عصيراً مع الماء بعد وضع مكعبات الثلج الصناعي عليه، أو خلطه معها، كما يمكن إضافته إلى الثلج الطبيعي لإنتاج طبخة اجتماعية شتوية تسمى "البقسمة" أو بوظة الشتاء
وفي "قلعة جندل" القرية الوادعة في جبل الشيخ؛ التي سكنها الإنسان القديم لوجود المغاور والكهوف الكثيرة، تمكن الإنسان من نحت المعاصر من الصخر، لأن زراعة دوالي العنب البعلية انتشرت فيها بكميات كبيرة، وزاد الإنتاج على حاجة الناس، فعمدوا إلى البحث عن أساليب لحفظ المادة الزائدة من هذه الثمار، ليقتاتوا بها في الشتاء. ولذلك لجؤوا إلى حفظها بطريقتين: الأولى الزبيب وهو تجفيف حبات العنب، والثانية الدبس وهو الموضوع الذي نتحدث عنه، وذلك بعصر هذه الفاكهة ومن ثم غليها على النار لتصبح دبساً.
ولهذه العملية اضطر الناس إلى نحت المعاصر في الصخور؛ حيث تم اكتشاف معصرتين في قرية "قلعة جندل"، الأولى: "معصرة عين الجوز" التي مازالت كافة معالمها موجودة: (السور الخارجي - البيدر- جرنان للتجميع والتبريد). والثانية "معصرة القلعة"، التي مازالت تستخدم إلى الوقت الحاضر وهي قيد الاستثمار، وتحتوي خطين لإنتاج الدبس».
وعن آلية العمل في المعصرة وكيفية الحصول على الدبس، وعن أقسامها قال المستثمر "شمس الدين علامة": «تتألف المعصرة من بيدر حجري يستخدم لتجميع العنب ومن ثم هرسه وعصره، وحوض صخري عميق ويسمى جرن التجميع لتجميع العصير فور عصره، كما يوجد حوض صخري آخر لتبريد الناتج بعد تسخينه على النار في المرحلة الأولى.
وتتألف المعصرة أيضاً من وعاء نحاسي كبير يتسع إلى نحو 500 لتر، يسمى الحلة أو "الخلقينة"، إضافة إلى "البد"؛ وهو عبارة عن جرن حجري مثقوب من الأسفل والجوانب، استبدل حالياً بصاج حديدي على شكل أسطوانة مثقوبة من الجوانب، يعمل كمكبس للحبات بعد تخليصها من "العيدان"».
وعن مراحل صناعة الدبس، أضاف "علامة": «تجمع عناقيد العنب بعد قطفها من الكروم وترحل إلى المعصرة، وتوضع بعد تنظيفها من الشوائب وغسلها جيداً بالماء على البيدر، ثم يضاف إليها مادة ترابية من الكلس صفراء اللون تسمى "الحوارة"، وهي متوافرة على أطراف القرية، وذلك من أجل امتصاص الحموضة الموجودة في بعض العناقيد.
وفي المرحلة الثانية: يتم هرس العنب بالأيدي والقطع الحجرية الأسطوانية "المدحلة الحجرية" إلى أن يسيل سائل العنب باتجاه جرن التجميع الموجود إلى جانب البيدر، وذلك عبر قناة حجرية، ويبقى هذا السائل في الجرن لعدة ساعات، حتى يتم ترسيب الشوائب مع مادة "الحوارة" بشكل جيد في قعر الجرن.
ثالثاً: يتم نقل السائل من حوض التجميع إلى الحلة أو "الخلقينة" بواسطة وعاء من النحاس أو التوتياء "دلو أو سطل"، ثم يتم إشعال النار تحت الحلة لتسخين السائل إلى ما قبل درجة الغليان، وكان يتم ذلك سابقاً على الحطب، والآن على المازوت، ثم يُنقل ذلك السائل إلى جرن التبريد لعدة ساعات، ويصفى من الشوائب بشكل نهائي بواسطة ترسيب الشوائب في جرن التبريد حتى يصبح رائقاً تماماً.
وفي المرحلة الرابعة: ينقل العصير إلى الحلة مرة ثانية ويعرّض للنار حتى يغلي مع التحريك لعدة ساعات أيضاً، وتتم إزالة الرغوة الموجودة عن وجه العصير بشكل متتالٍ حتى لا يبقى منها شيئاً، وعندما تصبح اللزوجة أقرب إلى المطلوب يتم تخفيف النار تحتها أولاً بأول، ثم تطفأ النار تحته نهائياً ويترك حتى يبرد، ويحفظ ضمن أوعية يفضل أن تكون فخارية، أما الآن فهي بلاستيكية.
ولإدارة المعصرة دور في الحصول على الدبس ذي النكهة الطيبة، كما يمكن الحصول على دبس أشقر اللون عبر تحريكه لعدة أيام بعد أن يبرد وقبل وضعه في الآنية بواسطة عود من شجر التين المتوافر جداً في القرية، وعملية التبريد هي التي تتحكم في أن يكون الدبس بدرجة سائل تماماً أو أقرب إلى السماكة».
وعن استخدامات مادة الدبس والوجبات الشعبية التي تستخدم فيها المادة، قال السيد أبو أسعد "هايل النبواني"؛ من أهالي القرية: «يمكن أن يؤكل الدبس مع الخبز كأي نوع من المربيات، أو يشرب عصيراً مع الماء بعد وضع مكعبات الثلج الصناعي عليه، أو خلطه معها، كما يمكن إضافته إلى الثلج الطبيعي لإنتاج طبخة اجتماعية شتوية تسمى "البقسمة" أو بوظة الشتاء».
وأضاف "النبواني" أنه يمكن أن يدهن ممزوجاً مع السمن العربي على خبز الصاج الطازج، ويوضع على عدة طبقات في إناء ثم يقطع بشكل متساوٍ، كما يمكن خلطه مع الطحينية أو اللبن الرائب أو الزيت، وهناك مثل شعبي يقول: "دبس وزيت وانطح الحيط"، حيث يشكل ذلك دليلاً على تقوية بنية الشخص الذي يتناول هذه المادة ممزوجة مع الزيت، وأشار إلى أنه يمكن صناعة حلاوة الدبس؛ وذلك بعد إضافة الدبس والنشاء ضمن مقادير معينة وغليها على النار حتى تصبح لزجة، ثم تسكب في آنية، ويوضع عليها الجوز واللوز و"صحتين وعافية".
