يعد مسرح المونودراما من أصعب الفنون المسرحية؛ لامتلاكه نصاً وإخراجاً، ولأن ممثليه متفردون بالخشبة والمؤثرات والجمهور، لذلك يراه بعضهم إشكالياً.
المسرحية "إليانا سعد" لها تجربتها الشخصية مع مسرح المونودراما، فهي تدرك مقوماته وأسراره التي تحدثت بها لمدونة وطن "eSyria"، بتاريخ 13 كانون الثاني 2014، فقالت: «من وجهة نظري الشخصية لم أجد أعمال مونودراما تقدم في "طرطوس" خارج نطاق فرقة "طائر الفينيق المسرحية"، والسبب في ذلك أن مسرح المونودراما يحتاج إلى نص متمكن وتمثيل وإخراج أيضاً، ومقومات عديدة، إضافة إلى الخبرة وتراكم التجارب. وهذه العوامل هي التي تجعل مسرح المونودراما نوعاً صعباً، إضافة إلى أن جمهورنا المسرحي غير معتاد على هذا النمط من المسرح.
قدمت عملين مونودراميين، هما: "ورشة رجالية"، و"زنى فكري"، وهذا تطلب مني كممثلة جهداً مضاعفاً، أيضاً جهداً من الناحية الإخراجية. فيجب على الممثل إقناع الجمهور عبر إيصال جميع الحالات الحسية، ما يخلق له متعة تكمن بامتلاك المسرح كله، وإشغال الفضاء المسرحي
فنص المونودراما يختلف عن النص العادي بشكل أساسي بشيء مهم، هو أن حامل الفكرة والمشاهد هي شخصية واحدة فقط، على خلاف النص العادي الذي يكون حامله عدة شخصيات تتكامل لتعطي العرض، ولو كانت هناك شخصية أساسية تجسد دور بطولة فيه.
عمل المونودراما عمل إبداعي، يرتقي فيه المخرج والممثل والنص بشكل متوازٍ دون أن يكون أحد على حساب آخر، كما أن الفكرة في عمل المونودراما تكون مكثفة وتحمل تفرعات عديدة، وهنا تكمن أهميتها لأنها تسلط الضوء على حالة بذاتها وتداعياتها وتكثيفها، وأثرها على فرد، وبذلك تلامس كل فرد من الجمهور، ولا تكون بعيدة عنه، كما أن مسرح المونودراما يطرح قضية كما يطرح علاجها ولو كان بشكل غير مباشر، لذلك يجب أن يكون هناك تقديم أقوى للمونودراما في "طرطوس"».
وتتابع: «مسرح المونودراما مسرح مملوء ولو كان من يؤديه ممثل واحد، بأفكار النص وحوامله وتجسيده، إضافة إلى قدرة المخرج والممثل على ملء التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، فمسرح المونودراما يمكن أن يملأ الخشبة إذا تكاملت هذه العوامل وتوازت بالارتقاء، وهذا ليس بالأمر السهل.
إضافة إلى أنها تحتاج إلى العديد من المقومات أولها النص الحامل المثير، ويأتي بعدها تجسيد النص بالشخصية وإخراجها بشكل يجعل المسرح مملوءاً بالممثلين مع أنه ممثل واحد، ناهيك عن الحاجة الكبيرة للديكور والمؤثرات، لأنها عوامل تساعد المخرج والممثل في ملء الخشبة، وتعبئة الفراغات لإنجاز عمل يرضي الفكرة والنص، ولا يشعر الجمهور بالملل لكونه لا يرى سوى شخصية واحدة فقط، ومن ثم هذه العوامل تخلق المفاجأة عند الجمهور الذي يراها في المسرح متعدد الشخصيات، فتشده لكي يتابع العمل بالشغف نفسه».
وعن نص المونودراما تقول: «يعتمد نص المونودراما على الجرأة في طرح قضية ما، وتناولها ومعالجتها وتجسيدها بشكل جريء غير مبهم، فالعامل الأساسي في المونودراما برأيي أن يكون مباشراً، ويعتمد على المشهدية والصورة بشكل أساسي. والمشهدية هي تجسيد النص بالحركات، وكلما كان النص جريئاً، كانت المشهدية أجرأ للارتقاء بالعمل إلى المستوى المطلوب، وإلا يتحوّل مسرح المونودراما إلى "حكواتي"».
وعن تجربتها الشخصية في مسرح المونودراما إخراجاً وتمثيلاً، قالت: «هذه التجربة كشفت عن شخصيتي المسرحية وتبنتها. فالمونودراما إن كان في التمثيل تكشف لك نقاطاً في شخصيتك المسرحية لم تكن قد اكتشفتها في الأعمال متعددة الشخصيات، وذلك لأن ممثل المونودراما يكون الحامل الوحيد للنص على المسرح، وهذا الحمل يدفع الممثل إلى التفتيش عن عناصر قوته وعناصر ضعفه وتقويتها، ليجد أنه تبلور أكثر. فهذه التجربة تمثيلياً أضافت الكثير إلي؛ لأنها كشفت النقاب عن أماكن القوة والضعف، ومن ثم تطوير الأداء والارتقاء به.
بينما إخراجاً، فكانت التجربة غنية جداً بالنسبة لي، فأمامك كمخرج نص، وممثل، وخشبة مسرح تحمل الكثير، فعليك أن تفتش عن ملء هذه الخشبة بشكل يتماشى مع النص والممثل دون أن يكون غريباً عنه، وهذه التجربة أضافت إلي الكثير أيضاً؛ حيث إنها جعلتني أكتشف قدرتي على تعبئة المسرح والممثل، بمشهدية وحركة وصورة متوافقة متكاملة، ترتقي بالعمل المسرحي. وهنا أحب أن أشير إلى أن عمل المونودراما يجب أن يرتقي بالتوازي، فلا يجب أن يرتقي الإخراج على الممثل أو النص على المخرج، بل يجب أن يكون الارتقاء بشكل متوازٍ، وعندما تبدأ عمل مونودراما، فإنك تبدأ من الصفر إخراجاً وتمثيلاً ونصاً للارتقاء بالعمل إلى المستوى المطلوب، وهنا تكمن صعوبة عمل المونودراما لأنه عمل لشخصية واحدة، فإن لم تكن متمكناً من العوامل الأساسية يضيع العمل المونودرامي، ويحوّل إلى حكاية سردية يرويها "حكواتي" على خشبة».
أما المسرحية "سناء محمود"؛ التي جسدت عدة أعمال مونودرامية ضمن فرقة "طائر الفينيق المسرحية"، فقالت: «قدمت عملين مونودراميين، هما: "ورشة رجالية"، و"زنى فكري"، وهذا تطلب مني كممثلة جهداً مضاعفاً، أيضاً جهداً من الناحية الإخراجية.
فيجب على الممثل إقناع الجمهور عبر إيصال جميع الحالات الحسية، ما يخلق له متعة تكمن بامتلاك المسرح كله، وإشغال الفضاء المسرحي».
المسرحي "فؤاد معنا" مدير فرقة "طائر الفينيق المسرحية قال: «المونودراما أو عمل الممثل الواحد، يتطلب ومنذ البداية أن تكتب نصاً ليجسده ممثل واحد، جميع خطابات النص وأحياناً شخصياته سيحملها ويقدمها إلى الجمهور ممثل واحد. والممثل لا يعني الشخص، فللشخص حريّة التجلّي في مجتمعه كما يشاء ولو كانت تجلياته متناقضة غير متسقة ولا منسجمة، فهذا شأنه. أما هنا فلديك ممثل واحد ستحمّله خطابات وصراعاً وشخصيات، وعليه أن يقدّم إلى الجمهور عرضاً مسرحياً منسجماً متسقاً في دلالاته ورموزه. فلنقل نص المونودراما هو نص مسرحي لكنه يحتاج إلى العناية وسعة الاطلاع والمعرفة أكثر من النص المسرحي العادي، وإلاّ تحول إلى خطاب واحد لا يصل حتى إلى مرتبة المونولوج».
ويتابع: «كل عرض مسرحي مهما كان نوعه من باب أولى عليه ملء خشبة المسرح، خشبة العرض المسرحي أو تلك المساحة المعنوية التي تمثل جغرافية العرض، وما يجب على الفضاء المسرحي أن ينسجم مع كينونتها، وهنا لا نتحدث عن مساحة بالأمتار، فهناك خلط لدى الكثيرين بين مساحة خشبة المسرح بالأمتار، وبين جغرافية العرض المسرحي؛ أي ملء خشبة المسرح، فمساحة المسرح في مشهد يكون فضاؤه المسرحي بحراً، يجب أن يصل المتلقي أوسع جغرافية من مشهد آخر يكون فضاؤه المسرحي نهراً أو مستنقعاً، ولو كان المشهدان على ذات الخشبة ويأخذان ذات المساحة بالأمتار المربعة في التنفيذ».
وفيما يخص الإضاءة والديكور قال السيد "فؤاد": «الإضاءة والديكور والوسائل المعينة والمؤثرات الصوتية، من الأهمية الاعتماد عليها من قبل المخرج ليجيد استعمالها من خلال ممثله الوحيد وربما -بل من الثابت- الاعتماد على ما سبق له مرتبة متقدمة في المونودراما عن باقي الأعمال المسرحية.
وعلى المسرح أن يكون إشكالياً بكافة أنواعه وتجلياته وإلا فلسنا أمام عمل مسرحي».
