نذر الباحث "سليم عادل عبد الحق" حياته لبعث التراث السوري، وترك بصماته في مجال الآثار والمتاحف والتأليف والتوثيق والبحث العلمي، فكان رائداً حقيقياً في هذا المجال.

الأستاذ " خالد الأسعد" مدير آثار ومتاحف "تدمر" السابق، قال عنه: «لقد كان من دواعي الفخر أنني تتلمذت على يدي الدكتور "سليم عادل عبد الحق" في جامعة "دمشق"، وفي "تدمر" خلال حياته الزاخرة بالمآثر. لقد عمل الدكتور "عبد الحق" فوق طاقته، ما ادخر جهداً حتى آخر لحظة من عمره المديد. عاش ومات في سبيل تحقيق هدفه المتمثل بنشر المعرفة الأثرية، وبعث التراث السوري الذي يعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام حياً ناطقاً بكل لسان. وفي مجال التدريس كان علماً من أعلام جامعة "دمشق"، في الفكر والثقافة وعلوم التاريخ والآثار والتأليف والعمارة، وكان رائداً في مجال الآثار والمتاحف، إضافة إلى دوره الرئيس في تأسيس مجلة "الحوليات" الأثرية منذ عام 1950، وهي التي تعدّ صوت المديرية العامة للآثار والمتاحف، ومرآة نشاطاتها الأثرية في مجالات الترميم والتنقيب والدراسات، وإقامة المعارض والمؤتمرات».

لقد كان من دواعي الفخر أنني تتلمذت على يدي الدكتور "سليم عادل عبد الحق" في جامعة "دمشق"، وفي "تدمر" خلال حياته الزاخرة بالمآثر. لقد عمل الدكتور "عبد الحق" فوق طاقته، ما ادخر جهداً حتى آخر لحظة من عمره المديد. عاش ومات في سبيل تحقيق هدفه المتمثل بنشر المعرفة الأثرية، وبعث التراث السوري الذي يعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام حياً ناطقاً بكل لسان. وفي مجال التدريس كان علماً من أعلام جامعة "دمشق"، في الفكر والثقافة وعلوم التاريخ والآثار والتأليف والعمارة، وكان رائداً في مجال الآثار والمتاحف، إضافة إلى دوره الرئيس في تأسيس مجلة "الحوليات" الأثرية منذ عام 1950، وهي التي تعدّ صوت المديرية العامة للآثار والمتاحف، ومرآة نشاطاتها الأثرية في مجالات الترميم والتنقيب والدراسات، وإقامة المعارض والمؤتمرات

مدونة وطن "eSyria"، التقت بتاريخ 4 كانون الثاني 2014م، الباحث " محمد خالد حمودة"، وأضاف: «ولد "سليم عادل بن مصطفى عبد الحق" في "دمشق" 14 كانون الأول 1913، وأنهى تعليمه حتى المرحلة الثانوية في "دمشق"، وانتسب بعدها لدار المعلمين ونال شهادتها، ولمّا كان من غير المسموح به لخريجي دار المعلمين متابعة الدراسة في الجامعة السورية، وقيام وزارة المعارف بإيفاد عدد من المتفوقين إلى خارج القطر، فقد وافته الفرصة وتم إيفاده إلى فرنسا، لتبدأ المرحلة الثانية من حياته في التلقي والتحصيل العلمي، حيث أقام مع ثلّة من الشباب الموفدين الذين أصبحوا فيما بعد من كبار رجالات الدولة والتربية في معظم المجالات. حصل على الليسانس في تاريخ الفن، وأتبعه بدبلوم من "معهد اللوفر" في الفن والآثار، كما درس في الوقت نفسه هندسة تخطيط المدن "الأوربانيزم" ، ومنها حصل على شهادة الدكتوراه بالاختصاص ذاته، وكل ذلك تم قبل وخلال الحرب العالمية الثانية».

الدكتور سليم عبد الحق في مكتبه

ويتابع: «بدأ "سليم عبد الحق" حياته العملية معلماً في المدارس الابتدائية في مدينة "دمشق" عام 1920، عندما كان في العشرين من عمره، ثم عُيِّن مدرساً في ثانويات "دمشق" عام 1940م، وبعد عودته من فرنسا عام 1945، عُيّن محافظاً عاماً للمتحف الوطني بـ"دمشق"، ثم كلف بعد هذا التاريخ بفترة قصيرة بالتدريس في كلية الآداب "قسم التاريخ" بجامعة "دمشق"، واستمر بهذا العمل من 1948 - 1964، فكان أستاذاً محاضراً في التاريخ الروماني والتاريخ البيزنطي، كما كلف بتدريس مادة "تاريخ العمارة" في كلية الهندسة بجامعة "دمشق" أيضاً، وذلك بين الأعوام 1959- 1964، وتميز بأسلوبه الرصين والمثير، ولغته السلسة القوية، وفصاحته البليغة المعبرة، فكان الطلاب يسعون إلى محاضراته لما فيها من التشويق والأسلوب العلمي والأدبي الرائعين، ومع حلول عام 1950م، عيّن مديراً عاماً للآثار، وما أن تسلم منصبه ذاك حتى تحوّل المتحف الوطني بـ"دمشق"، ودائرة الآثار العامة إلى ورشة دؤوبة للعلم والعمل معاً، فقد نذر نفسه عندئذ حياته وكل وقته للعمل المنتج بدائرته، والنهوض بها إلى المستوى الدولي، ومن أهم أعماله في" مجال الإدارة" أنه عمل على استصدار قانون الآثار السوري؛ الذي اعتبرته منظمة اليونسكو قانوناً نموذجياً، وطلبت منه ترجمته إلى اللغة الفرنسية وموافاتها به إلى مقرها في باريس، كما عمل على إصدار القانون الناظم لعمل العاملين في المديرية العامة للآثار والمتاحف، وهو الاسم الجديد لدائرة الآثار العامة السابقة، واستطاع من خلاله خلق فرص عمل جوهرية تخصصية للعاملين في المديرية، بعد أن منحهم استقلاليتهم في اختصاص عملهم».

ثم أضاف: «أمام ثورة العمل التي حصلت في المديرية العامة للآثار والمتاحف، كان لا بد من ممارسة العمل الاختصاصي الذي يتسم بالجدية والحرفية العالية فيها، فقام بتوسيع مبنى المديرية الحالي، ومن ثم سعى إلى إحداث عدد من المديريات بعد أن كانت دوائر وشُعَباً وأقساماً، فتم إحداث كلٍّ من مديرية الهندسة، مديرية الحفريات، مديرية البحوث، مديرية المتاحف، مديرية التفتيش، مديرية الوثائق التاريخية، أما في مجال "المتاحف"، فعمل على إنجاز توسعتين تاليتين للتوسعة الأولى التي جرت سابقاً في المتحف الوطني بـ"دمشق" عام 1939م، فكانت أولاهما عام 1947م، وشملت بناء بعض قاعات القسم الإسلامي والمعرض الدائم والرواق، في حين جرت التوسعة الثانية عام 1955م، وفيها بنيت بقية قاعات العرض في القسم الإسلامي، وقسم الآثار الشرقية القديمة، وأُلحق بها في الستينيات من القرن المنصرم بناء القاعة الشامية، كما قام بتقسيم المتحف الوطني بـ"دمشق" إلى أربعة أقسام: القسم السوري القديم، القسم الكلاسيكي، القسم الإسلامي، القسم الحديث، وعيّن محافظاً لكل قسم على أن يشرف على الأقسام الأربعة محافظ رئيس يتولى مهمة الإشراف عليهم جميعاً والتنسيق فيما بينهم، ويمثلهم أمام المدير العام للآثار والمتاحف والمديرية، كما بدأ ترميم المدرسة الجقمقية تمهيداً لتحويلها إلى متحف للخط العربي، وقد تأخر افتتاح المتحف فيما بعد لأكثر من عقدين من الزمن لأسباب فنية، وتم افتتاحه عام 1983».

د. خالد الأسعد

وتابع: «بعد ذلك قام بتأسيس متحف التقاليد الشعبية "قصر العظم" في "دمشق"، بالتعاون مع الإتنوغرافي المرحوم "شفيق الإمام"، وأسس في "حماة" متحفاً للفنون الشعبية في قصر العظم، وأشرف على متابعة وإتمام نقل واجهة قصر الحير الغربي من "تدمر" على المتحف الوطني بـ"دمشق"، مع بناء المدخل وجزء من الرواق ودارين تحفان بالمدخل الرئيس، كذلك قام بتحويل الكاثدرائية الأثرية الرائعة في محافظة "طرطوس" إلى متحف، بعد إنجاز ترميمها وتكييفها لتصبح صالحة لعرض نفائس الكنوز الأثرية المكتشفة في الساحل السوري. وفي "حلب" في العام 1955م، تم بناء متحف جديد مكان القديم المتداعي، ووُضِع على مدخله الأسدان الهائلان المكتشفان في موقع "تل حلف" في "الجزيرة" السورية، كما وُضعت الدراسات اللازمة لترميم قلعة "حلب"، وإعادة قاعة العرش إلى ما كانت عليه، وتم ترميم العديد من الأبنية الأثرية المهمة في محافظة "حلب"، ومختلف المحافظات السورية الأخرى».

ويضيف الباحث "حمودة": «أما عن نشاطاته في مجال "التوثيق"، فقد تم في فترة إدارة الدكتور "عبد الحق"، تصنيف مختلف الأبنية الأثرية تصنيفاً عملياً وعلمياً دقيقاً، فأصبح لكل موقع ومبنى أثري إضبارة خاصة به، وتم إرفاق الإضبارة بمخططات هندسية وطبوغرافية عن الموقع ومحيطه، إضافة إلى صور ضوئية لكافة أقسام المبنى، فكانت كل إضبارة صورة حيّة عن المواقع والأبنية الأثرية السورية، وما تزال شاهداً حيّاً حتى اليوم بما تملكه من معلومات قيّمة عنها، أما في مجال "المعمل الفني"، فكان لا بدّ من إنشاء قسم خاص بالمديرية يقوم بترميم القطع الأثرية الدقيقة منها والضخمة على حد سواء لدى الكشف عنها، فكان أن أنشأ المعمل الفني بأقسامه المختلفة في قبو المديرية العامة والمتحف الوطني معاً، كما اهتم بتصنيع الخزائن الخشبية لعرض المعروضات بداخلها وإعداد الحوامل اللازمة لها من كافة المواد، وقد احتوى المعمل الفني عدة أقسام للنجارة والحدادة وكل ما تحتاج إليه عمليات الترميم، إضافة إلى إنشائه قسماً خاصاً فيه لصب نماذج عن بعض التماثيل والقطع الأثرية بحجم مصغر ودقة عالية».

أثناء تدشين جناح قصر الحير بالمتحف

وحول نشاطه في مجال" التأليف والنشر العلمي"، قال: «عمل على إصدار مجلة "الحوليات الأثرية السورية" عام 1950م، وبتأسيسه لتلك المجلة التي كان كتّابها من كافة الأطياف العاملة في الحقل الأثري محلياً وعربياً وعالمياً، فقد غدت مرجعاً وثيقاً ومتخصصاً في مجالات التنقيب والترميم الأثري، أما عن أهم بعض مؤلفاته: كتاب "مشاهد دمشق الأثرية" 1950م، ترجم إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، "سورية"؛ ترجم إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، "نزهات" 1947، ترجم إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، "كنوزمتحف دمشق الوطني" 1959م، ترجم إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية والألمانية، كتاب "الفن الإغريقي وآثاره المشهورة في الشرق" 1950، "روما والشرق الروماني في العهد الجمهوري حتى نهاية قيصر"1959، "الرموز في الفن اليوناني" 1943، "كاثدرائية شارتر بباريس" 1943، "التاريخ العمراني للحي اللاتيتي بباريس" 1945، أما أهم البحوث التي نشرت باسمه كمقالات في مجلة "الحوليات" الأثرية السورية فكانت: "حاضر المتاحف السورية ومستقبلها، تشييد بغداد وتأثيره في عمارة المدن، الآثار في خدمة القضية العربية، تاريخ مدينة حمص، المتاحف السورية والتربية"، إضافة إلى الكثير من نتاجه الفكري عن إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في المتحف الوطني بـ"دمشق"، وقوائم المكتشفات الأثرية، وحفريات مقبرة النبي مندو في حمص، وموضوع مسابقة تصميم، وتنفيذ بناء المتحف الوطني بحلب"، وغيرها الكثير».

أما أهم نشاطاته ومشاركاته في المحافل الدولية، فأضاف: «نتيجة لاهتماماته الآثارية محلياً وعربياً ودولياً، فقد كان محط اهتمام ومثار جدل، وموضع تقدير معظم الآثاريين في العالم؛ حيث تم اختياره بين الأعوام 1954- 1964م، رئيساً للجنة الدولية للمتاحف الأثرية والتاريخية، وعضواً في المجلس العالمي للمتاحف ICROM، وعضواً مراسلاً للمعهد الأثري الألماني، وعضواً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في "سورية"، كما نظم خلال عمله في المديرية العامة للآثار والمتاحف مؤتمر الآثار الكلاسيكية في "دمشق"، وشارك في المؤتمرات الدولية للآثار، وانتخب في مؤتمر روما أميناً عاماً له، واشترك في مؤتمر الممتلكات الثقافية في باريس، ثم وقع اختيار منظمة اليونسكو عليه للإشراف على مشاريعها الأثرية والثقافية، فرحل إلى باريس عام 1966م، تاركاً منصب المدير العام للآثار والمتاحف، بعد أن خلّف لبلاده إنجازات رائعة كانت ثمرة عمل دؤوب وضع له جلّ وقته وجهده وفكره، وجعل للمديرية العامة للآثار والمتاحف سمعة مجلجلة في عالم الآثار، ولدى بلوغه سن الستين انتهى عمله في اليونسكو، فاختارته جامعة بنغازي في ليبيا ليكون مديراً لقسم الآثار فيها وذلك بين 1974- 1979م، فكان أهلاً لذلك العمل ولقي من خلاله التقدير».

يذكر أن وطنه لم يبخل عليه تجاه إنجازاته، فمنح وسام الاستحقاق ووسام الإخلاص السوريين من الدرجة الأولى، وسبق أن مُنح أوسمة رفيعة من عدة دول أخرى مثل: "فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، بلجيكا، الدانمارك".

تزوج من الدكتورة "أندره جان موبير"، وأنجب منها طفلين: صبي وبنت، "سمير" الذي حصل على شهادة الدكتوراه في اختصاص عمران المدن، و"مي" التي تخصصت في مجال الدراسات والعلوم السياسية.

فارق الحياة صبيحة الرابع عشر من شهر تشرين الثاني 1992م، مخلفاً وراءه أجيالاً كبيرة من الأساتذة والأصدقاء والطلاب، والمحبين، والكثيرين من الآثاريين الذين رأوا في "سورية" مهداً للحضارات، فنذروا أنفسهم وحياتهم لتلك الرؤية.