قد يبدو الاسم غريباً للوهلة الأولى على كثير من أهالي دمشق، رغم أن معظمهم مفتونون بأعماله وأيقوناته المعمارية التي تركها في مدينتهم، فالأعمال التي أسهم في تشييدها أو كان له دور في تصميم مخططاتها، غيرت وجه دمشق العمراني إلى الأبد.

إنه "محمد دي أراندا" أو "فرناندو دي أراندا" كما كان يسمى عندما زار "دمشق" للمرة الأولى في بداية القرن العشرين.

يعتقد البعض أن "دي أراندا" مهندس، ولكنه ليس كذلك كما اعتقد، هو مقاول يقوم بتنفيذ المشاريع ولكن شهرته وإتقانه لعمله جعله يحوز عدداً من المشاريع التي جعلته معروفاً جداً في دمشق في بدايات القرن العشرين، وبغض النظر إن كان "أراندا" قد حصل على شهادة أكاديمية، أم لا، إلا أنه أتقن عمله، وقام به على أكمل وجه

مدونة وطن "eSyria" عادت لتكتشف تاريخ هذا الرجل الإسباني المولد الدمشقي الهوى، وبدأت مع المهندس "خليل الفرا" أحد أهم المهندسين المعماريين في خمسينيات القرن الماضي وأحد الذين عاصروا "دي أراندا" قبيل وفاته فقال عنه: «يعتقد البعض أن "دي أراندا" مهندس، ولكنه ليس كذلك كما اعتقد، هو مقاول يقوم بتنفيذ المشاريع ولكن شهرته وإتقانه لعمله جعله يحوز عدداً من المشاريع التي جعلته معروفاً جداً في دمشق في بدايات القرن العشرين، وبغض النظر إن كان "أراندا" قد حصل على شهادة أكاديمية، أم لا، إلا أنه أتقن عمله، وقام به على أكمل وجه».

محطة الحجاز - أحد أعمال دي أرندا

ولأن معظم الولايات العثمانية أواخر القرن التاسع عشر شهدت نهوضاً شاملاً نتيجة محاولة الدولة العثمانية اللحاق بركب الحضارة الأوروبية، فقد استقطبت أقطاب العلوم بأنواعها المختلفة للعمل على ذلك التطوير من خلال الاستثمارات الأجنبية في أراضيها، وكان للمساعي الألمانية النصيب الأوفر من تلك الاستثمارات، حيث استطاعت أن تستحوذ على مشاريع مهمة، كان أهمها على الإطلاق الخط الحديدي الحجازي الذي يصل اسطنبول بالمدينة المنورة مباشرة، وعليه طرحت العروض، وتنوعت الجنسيات، حيث اختير المهندس الألماني "مايسنر" للإشراف على إنشاء الخطوط الحديدية في الدولة العثمانية، وكان اختياره للمهندس الإسباني موفقاً لبناء محطة القنوات (الحجاز حالياً) كمحطة رئيسة للخط الحجازي، التي تعد قمة في الإبداع الجمالي المعماري.

"فرناندو دي أراندا": ولد في مدريد في 31 كانون الأول عام 1878م، ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، والدته "أليسا غونثالث غوميت"، رافق والده الموسيقي بعد وفاة والدته، إلى باريس ومن ثم اسطنبول، حيث عمل والده في الفرقة الموسيقية للبلاط العثماني، عاش فرناندو حياة مستقرة، درس الفنون الجميلة، كمختص في التصميم، غادر اسطنبول إلى دمشق التي عشقها منذ أن حط رحاله فيها عام 1902م؛ وحتى عام 1905م أمضى جل وقته في دمشق في دراسة تصاميم فن العمارة، تعرّف على زوجته الأولى اليونانية الأصل خلال إقامته في فندق فكتوريا، "زنوبيا سيريكاكيس"، التي كانت تعيش بين "دمشق" و"بيروت"، ثم انفصل عنها بعد أن أنجب منها ولدين. استطاب العيش بدمشق، فسعى لتقلد منصب دبلوماسي فيها، فعين نائباً للقنصل الفخري الإسباني في دمشق بين عامي 1912م- 1936م، وتعرف على زوجته الثانية "صبرية حلمي" التي تصغره بعشرين عاماً (1897م)، خلال عمله في تشييد بيت لعائلة حلمي (ثانوية الأندلس في حي الحلبوني) وهي عائله دمشقية تركية الأصل، اعتنق الدين الإسلامي ليصبح (محمد أراندا)، وتزوجا في حيفا، ليعود إلى دمشق ويقطن فيها إلى أن وافته المنية في مشفى الطلياني بدمشق في شهر كانون الأول عام 1969م، حيث صلى أهل دمشق على فرناندو في جامع المرابط الذي صممه وبناه، ليدفن في المقبرة الإسلامية بباب الصغير، بعد معاناة مع المرض، عن عمر ينوف عن التسعين.

أحد أعمال المهندس

يقول الأستاذ "فاروق الطباع": «أسهمت عبقرية هذا الفنان في تطوير فن الهندسة المعمارية، وتخطيط المدينة الدمشقية الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين, وما تزال ذكراه حاضرة في مدينة دمشق من خلال نتاجه المعماري المتميز، بمزجه بين عناصر فن العمارة الإسلامية؛ مثل ألواح القيشاني وتشكيلات النوافذ، والزخارف الخشبية الداخلية؛ مع ملامح فن العمارة الكلاسيكية الأوروبية، ولا سيما الطرازين الإسباني والألماني. ليسهم في التكوين المعماري لمدينة دمشق، من خلال ما تركه من أثر مادي تمثّل في مخططات عمرانية وأبنية رائعة، أحب حي المهاجرين، وكان مسكنه في جادة المرابط، قريباً من المسجد الذي بناه.

من أول الأبنية التي نفّذها بناء عبيد 1906م، وفيما بعد أشرف على تنفيذ مخطط ألماني لبناء عمارة عزت باشا العابد في ساحة الشهداء "المرجة" عام 1906، من أبرز أعماله محطة الحجاز التي بنيت العام 1917، والمبنى الأساسي لجامعة دمشق 1922م، وبناء السرايا (مقر وزارة الداخلية اليوم)، صمم منزل عطا الأيوبي وهو رائعة المساكن التي أنجزها في عام 1928 والذي يقع بجانب مقر السفارة الفرنسية بدمشق، وهو أشبه بالقصر بطرازه الأوروبي، وليس بعيداً عن موقع هذا المبنى، صمم بناء جميل مردم بيك عام 1930، في جادة نوري باشا، وهو بناء طابقي حديث، كما صمم بناء لخالد العظم في ضاحية دمشق بين الربوة ودمر، وإلى جانب هذه المنشآت المهمة في مدينة دمشق، مبنى المصرف التجاري1930م، ومبنى شركة مياه الفيجة، ومبنى وزارة السياحة، مبنى وزارة المواصلات الحالية عام 1940م، ومنذ ذلك العام بدأت خطواته العملية في تشييد فن معماري مميز في دمشق، انضم في نفس العام إلى موظفي مديرية الأوقاف، وشغل وظيفة الاشراف المعماري على مخططات الأبنية الرسمية في وزارة المواصلات، ومديرية الأوقاف، في عام 1949-1950م نفذ تصميم المهندس الفرنسي "إيكوشار" لتوسيع الجناح الغربي للمتحف الوطني، بالإضافة إلى قصر العدل».

من أعماله، أبنية أرض الطاووسية وهي جزء من وقف جامع الطاووسية، وكان طراز هذا المبنى الطابقي حديثاً وجذاباً، يقول السيد "معتز المميز": «اشترك "فرناندو" وزوجته السيدة "صبرية" في إنشاء المبنيين، فكانت تلازمه وقت الإنشاء، ومن المباني التي استعمل فيها الإسمنت والموزاييك مبنى عمارة البسام قرب مجلس الشعب، ومن المباني العامة بناء مديرية الأوقاف قرب قصر العدل، وإلى جانبه بناء آخر مشغول اليوم كمقر للمصرف التجاري السوري.

معظم الأبنية التي صممها مازالت قائمة حتى يومنا هذا، باسثناء منزل حقي العظم في المهاجرين، وبيت منيف اليوسف في حي الأكراد، فقد زالا بسبب التنظيم، وثمة بيوت أخرى لم تذكر كانت من تصميم وتنفيذ دي أراندا، زال بعضها أو بقي دون الإشارة إلى مصمم عمارتها، بالإضافة إلى أبنية خارج دمشق، مثل فندق زنوبيا في تدمر، الذي بني العام 1924 وأدارته نبيلة فرنسية رومانسية في الثلاثينيات، وكان من أبرز نزلائه الملك "ألفونسو الثالث عشر"، و"أغاثا كريستي"».