ألوان زيتية حررتها فرشاة أنثى أنهت واجباتها الحياتية والتفتت إلى مكنوناتها الداخلية وشجونها العاطفية بفنية الواقع الكلاسيكي وطبيعتها وعلاقاتها وبساطتها.
لقد أوجدت "زينة عكاري" علاقة خاصة بين مهنة الطب وموهبة الفن فكانت الطبيبة الفنانة التي التقاها موقع مدونة وطن eSyria بتاريخ 23/7/2012 وكان الحوار التالي:
الفنانة "زينة" من خريجات المركز لدينا وقد حصلت على مختلف القواعد والأسس الأكاديمية لما أظهرته من موهبة تستحق العطاء بلا حدود، فهي فنانة موهوبة ذواقة بالفطرة تستطيع اقتناص اللقطات المميزة وتحويلها إلى عمل جيد يدرك المتلقي بكل وضوح الحس اللوني فيه، إضافة إلى أنها تمنح الفكرة أبعادها الشفافة دون ملل أو كلل
** منذ نعومة أظافري كنت أمسك القلم وأخربش وأنظر إلى خربشاتي فأراها جميلة، وكنت أجد الإعجاب في عيون أسرتي المحيطة بي، ثم انتقلت إلى المدرسة وكانت لوحاتي تعلق في المعارض المدرسية، ومن حسن حظي أنني تعلمت لمدة سنتين في الصف السابع والثامن على يد الأستاذ الفاضل المرحوم "مجيب داوود" وكان فناناً مبدعاً، وكنت أحبه كثيراً لأنه شجعني وأبدى إعجابه برسوماتي، وفي المرحلة الثانوية والجامعية ابتعدت كثيراً عن الرسم وركزت على الدراسة والنجاح في مجال العلم، وبعدها أتت الحياة العملية والتعامل مع المرضى ثم الزواج والأولاد، ولكنني في لحظات معينة قد تكون ثواني قصيرة أرى منظراً أو حادثة عابرة أشعر برغبة جامحة للتعبير عنها بالرسم، وبقيت على هذه الحالة خمسة وعشرين عاماً، وكلما تقدم الزمن تضاعف شجوني الفني حتى انفجر بلحظة بعدما كبر أولادي وخفت مسؤولياتي، فعدت إلى حلمي وقررت أن أشذب موهبتي بشكل أكاديمي، وأتت الفرصة وحدها إلي وقادتني المصادفة إلى معهد "مجيب داوود" للفنون التشكيلية، وهناك لقيت العناية والتوجيه من الأساتذة وتبلورت موهبتي.
** علاقتي بالفن ليست علاقة تراكمية فقط بل هي مركبة أيضاً وتفاعلية ليس فقط بالبيئة الاجتماعية التي عشت فيها وشربت من عاداتها وتقاليدها بل بالمجتمع ككل بجميع قضاياه الاجتماعية والقومية والفنية والدينية والثقافية، لذلك فأنا ابنة بيئة طيبة سأنقلها معي أينما حللت وسأجسدها في مختلف موضوعاتي الفنية.
* ما هي ملهماتك الفنية؟
** الحياة والطبيعة والأرض والإنسان.
** الرسم بطبيعة الحال تعبير واحساس بالواقع والمحيط الذي يحيط بالفنان، وهذا هو سر الابداع والرقي الموجود باللوحات، فإن كان الرسام فرحاً سعيداً يعبر عن ذلك بلوحاته، وإن كان يائساً وحزيناً ترى ذلك وتحسه من خلال رسوماته، لذلك فإن أية لوحة منقولة عن فنان آخر تراها باردة وخالية من أي معنى ولا تشعرك بأحاسيس من رسمها.
** منذ الصغر كنت أنظر لكل شيء حولي وأحب أن أعبر عنه بإحساسي أنا وبطريقتي الخاصة، فمثلاً تفاحة على شجرة تحرك في إحساساً وشعوراً خاصاً يبقى ملازماً لي حتى أرسم تلك التفاحة، أو عيني طفل ما قابلته مصادفة حركتا شيئا بداخلي إن كان فرحاً أو حزناً لا أرتاح إلا إذا عبرت عنهما بالريشة أو بفكرة ما تكونت في خيالي.
** مادام الرسام شخصاً مفرط الحساسية فلا شك أن من يقرأ الفن سيعرف ما بداخل هذا الفنان من أحاسيس فرح أو حزن أو إحباط وهنا يكمن الإبداع في صحة وسلامة المنعكس على المرآة.
** بالنسبة لي الحياة هي النور والألوان وكل لوحة يطغى عليها لون محدد يعبر عن الحالة الداخلية لي في تلك اللحظة، فالألوان القوية تدل على البهجة والحيوية، والألوان الهادئة تدل على حالة سكون في نفس الرسام والتضاد بالألوان يدل على حيرة معينة يمر فيها الرسام في تلك اللحظة، وفي المجمل إن لعبة الألوان تتم بتناغم رائع إذا عبرت بصدق عن الحالة الراهنة للفنان.
** بالنسبة لي كطبيبة لعبة الألوان معتادة عليها من خلال مهنتي، فعيادة الأطفال بالإجمال تكون ذات ألوان قوية مبهجة للطفل وتجعله يتخيل نفسه وكأنه في بستان كبير متعدد الألوان، أما عيادات الكبار فتكون ذات ألوان فاتحة مريحة للنظر تدخل الهدوء والراحة إلى قلب المريض حتى يتجاوب مع الطبيب بسهولة ويسر، بينما العيادة ذات الألوان الغامقة لا توحي للمريض بالراحة، لذلك نبتعد عنها قدر الإمكان، ومن جهتي كفنانة فأنا أحب كل الألوان وكلما بدأت بلوحة أمجد الله على نعمة تحسس هذه الألوان التي منحنا نعمة اكتشافها.
** أحياناً تكون ألواني صارخة وقوية خاصة عند رسمي للزهور محاولة التعبير عن قوة الحياة فيها، وأما إن كنت أرسم موضوعاً إنسانياً معيناً كحالة بؤس أو حزن أو حرب فأعتمد على الألوان الهادئة والباهتة، في حين إن كانت اللوحة بالأبيض والأسود فأحاول الاعتماد على التضاد بين اللونين ليعطي جمالية وقوة للوحة.
** إن طب الأسنان تحديداً فيه الكثير من الفن، خاصة عند هندسة حفرة ما وتحضيرها لاستقبال الحشوة الأملغمية أو التجميلية، وكذلك الأمر بالنسبة لنحت السن أو الرحى وتجهيزها لاستقبال التاج أو الجسر، وعلى فكرة في السنة الثانية من دراستي الجامعية كان عندنا مادة اسمها النحت، وبها نتعلم نحت الأسنان وأرحاء الفم كلها، وطبعاً كانت من المواد المفضلة لدي وكنت أحرز أعلى العلامات فيها.
** بالنسبة لي الرسم تعبير عن شيء كامن بنفسي ولا أرتاح أو أستكين إلا عندما أختار الموضوع في تلك اللحظة الغنية بالشجون والمكنونات الداخلية، ومن ثم المباشرة بتنفيذه، عندها لا أشعر بالوقت ولا الزمن ولا أبارح لوحتي حتى أنتهي منها.
** حتى الوقت الحالي أرى ذاتي الفنية في المدرسة الكلاسيكية التي بدأت أتذوق جمالها حديثاً، وكذلك الانطباعية، وكلما تعمقت بهذه المدارس أجد لذة أكبر ومتعة لا توصف، وأعتقد أنني في كل يوم سأكتشف مدرسة جديدة أحبها وأتعلق بها خاصة أنني أشعر بأنني في بداية الطريق قبل أن أتخذ مدرسة معينة أجد ذاتي فيها.
** هذه العلاقة يحددها الفنان بذاته وبشخصيته فإذا نقل الفكرة بشكل عفوي وبسيط ووصلت للمتلقي بسهولة ومتعة وأخذ الفنان حقه وتمتع المتلقي بما رأى فهي جيدة، أما إذا كان نقل الفكرة بطريقة معقدة ومركبة فإن المتلقي يمل وييئس من فهم الفكرة ويبتعد عن اللوحة وقد يكره الفن أحياناً وهنا تكون العلاقة سيئة.
وفي لقاء مع الفنان التشكيلي "علي حسين" مدير مركز "مجيب داوود" للفنون التشكيلية حدثنا عن الطبيعة اللونية للفنانة "زينة عكاري" فقال: «الفنانة "زينة" من خريجات المركز لدينا وقد حصلت على مختلف القواعد والأسس الأكاديمية لما أظهرته من موهبة تستحق العطاء بلا حدود، فهي فنانة موهوبة ذواقة بالفطرة تستطيع اقتناص اللقطات المميزة وتحويلها إلى عمل جيد يدرك المتلقي بكل وضوح الحس اللوني فيه، إضافة إلى أنها تمنح الفكرة أبعادها الشفافة دون ملل أو كلل».
