تعتبر الأواني النحاسية من أكثر الموجودات أصالة وفخامة في البيت الجبلي، حيث ما زال الجبليون يتباهون باقتنائهم لهذه الأواني النحاسية، حتى دخلت في طبيعة حياتهم وذلك ضمن الحزورة والأمثال الشعبية الدارجة.
حيث يذكر الأستاذ "فوزات رزق" الباحث التراثي وعضو اتحاد الكتاب العرب لموقع eSwueda بتاريخ 8/4/2012 عن مكانة النحاس في بيوت الجبل وحضوره فيها بالقول: «لقد دخل النحاس في العبارات والأمثال الجبلية وذلك حين يصفون بعض الرجال بقولهم: "فلان مثل ماعون النحاس، كيف ما نقفتوا بيرن"، ويضرب في الرجل إذا كان بارعاً في كثير من النواحي، وقالوا: "فلان بيّض نحاساته فينا"، يقال للرجل إذا حاول كسب ود بعض الناس على حساب البعض الآخر، كما دخل في الحكاية الشعبية الجبلية "مدينة النحاس"، حينما تتخذ الحكاية مدينة كل قصورها ومبانيها من النحاس فضاءً مكانياً لها، ولعل الخيال الشعبي قد اختار النحاس من بين المعادن لما له في الذهنية الجبلية من مكانة، وكذلك دخل النحاس في الحزورة الشعبية، فقد جعلوا من مصباح الكاز النحاسي مادة للغز طريف فقالوا : "طاس طرنطاس، بالبحر غطّاس، من جوّا لولو، ومن برّا نحاس"، فالطاس هو مستودع الوقود في المصباح، وكانوا يتخذونه قديماً من النحاس، وبداخله زيت الكاز الصفي صفاء الؤلؤ، أما الغطّاس فهو الفتيل الذي يغوص في الزيت».
عندما كنا صغاراً في قريتنا "شعف" الواقعة على أعلى قمة مسكونة في جبل العرب وربما أوسع، طغى على حياتنا طابع الريف الحامل لمنظومة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، إذ كنت أتوسط إخوتي وأرغب في المشاركة مع المرحوم جدي، ووالدي أدام الله بعمره، في ممارسة الطقوس والواجبات، المترافق مع تفوقي بالدراسة، لهذا كنت استمع من جدي يقول: "شوفوا وسام مثل طبق النحاس، وين ما نقرتوا بيرن"، خاصة أن مضافة جدي تملأ بالأدوات النحاسية من معاميل القهوة المرة العربية، إلى أدوات طعام الولائم "الدست، والمنسف، والكبشة، والمصب" وغيرها، واليوم عندما تذكر تلك الأدوات تعود الذاكرة إلى تلك الأيام الخوالي الجميلة
وعن الأدوات النحاسية التي دخلت الأمثال والحزورة الشعبية أوضح الباحث "فوزات رزق" بالقول: «من بين الأدوات النحاسية "الخلقينة" التي دخلت في تشبيهات الجبليين فقالوا: "مثل اللي قاعد بالخلقينة"، وحكاية هذا التشبيه أن جمّالاً كان ينقل "خلقينة" على ظهر جمله، وعلى الطريق صادفة رجل، وأراد الجمّال أن يقدّم له خدمة، فأناخ جمله ووضع الرجل في "الخلقينة" كي يخفف عنه مشقة السير، وصادف أن مرّ الجمال بجماعة من الناس فألقى عليهم التحية: "صبحكم بالخير"، فما كان من الرجل الذي في الخلقينة إلا أن نهض وصاح بدوره: "صبحكم بالخير" دون أن يكون قد رآه أحد، ويطلقون هذا التشبيه للرجل الذي يكلف نفسه عناء أمر ما دون أن يكون مطلوباً منه ذلك، ومن تعابيرهم: "سطح مخلقن" إذا حدث فيه عيب أدى لانكفائه على شكل خلقينة.
وهناك أيضاً "الدست" وهو قدر كبير له حلقتان، يستخدم لطبخ الولائم الكبيرة، كما يستخدم لترويب الحليب وصنع اللبن، دخل "الدست" في الحزورة الجبلية فأداروا حوله اللغز التالي: "أسود برني، قاعد بالقرني، الدست الله لا يهديك عليه"، كما دخل "الدست" في تعابيرهم الشائعة، فإذا أطلق أحدهم لغزاً صعباً قالوا: "هذا من كعب الدست" أي عميق وصعب الوصول إليه، كما يستخدمون هذه العبارة في وصف أسئلة الامتحان الصعبة فيقولون "أسئلة من كعب الدست"، وربما دعت المرأة على من تكرهه قائلة: "تغلي على وجه الدست"، كذلك "الطنجرة" التي بدورها دخلت في أمثال الجبليين وتعابيرهم الشائعة، فقالوا: "طنجرة ولاقت غطاها" وهو مثل يضرب لشخصين توافقا في الصفات واتفقا على عمل أو شراكة معينة».
وتابع "رزق" حديثه عن الألعاب الشعبية وعلاقتها بالأدوات قائلاً: «كذلك دخلت "الطنجرة" في الألعاب الشعبية ضمن تعابير الجبليين، فإذا أرادوا تحديد الفريق الضارب والفريق المضروب لجؤوا إلى طريقة "طنجرة وغطاها"، وذلك بأن يتقابل رئيسا الفريقين وبينهما مسافة، ثم يتقدم كل منهما باتجاه الآخر قدماً فقدماً قائلاً أحدهما في كل قدم يخطوه: طنجرة، فيرد الآخر غطاها، ومن يستطع تغطية رجل الآخر يبدأ فريقه باللعب، وهناك "إبريق الصب" وله عنق طويل وقبضة ثابتة على جانب الفوهّة الضيقة، وله مصب طويل ومعقوف، يوضع فيه الماء، ويكلف "صبي" الذي يكون سنه بين العاشرة والرابعة عشرة، ومن أصحاب المضافة بصب الماء على أيدي الضيوف بعد الانتهاء من تناول الطعام، إذ يترافق صب الماء أدبيات خاصة في صب الماء على اليدين أن يقول الضيف لمن صب الماء على يديه: "أجرك على الله" في إشارة إلى اعتبار صب الماء من قبل الكبير تواضعاً يستحق عليه صاحبه الأجر والثواب، فيكون الجواب: "سامحك الله"، أما إذا كان من يصب الماء صغيراً فيقول له الضيف: من فرحتك، أو بعرسك. فيرد الولد: "بحياتك"».
لعل الذاكرة الجبلية لجيل عاصر الريف بعاداته وتقاليده يستطيع نقل وقائع كانت تقال بالحياة اليومية له، ذلك ما أكده الدكتور "وسام الخطيب" بقوله: «عندما كنا صغاراً في قريتنا "شعف" الواقعة على أعلى قمة مسكونة في جبل العرب وربما أوسع، طغى على حياتنا طابع الريف الحامل لمنظومة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، إذ كنت أتوسط إخوتي وأرغب في المشاركة مع المرحوم جدي، ووالدي أدام الله بعمره، في ممارسة الطقوس والواجبات، المترافق مع تفوقي بالدراسة، لهذا كنت استمع من جدي يقول: "شوفوا وسام مثل طبق النحاس، وين ما نقرتوا بيرن"، خاصة أن مضافة جدي تملأ بالأدوات النحاسية من معاميل القهوة المرة العربية، إلى أدوات طعام الولائم "الدست، والمنسف، والكبشة، والمصب" وغيرها، واليوم عندما تذكر تلك الأدوات تعود الذاكرة إلى تلك الأيام الخوالي الجميلة».
