كثيراً ما تحمل قاعات المراكز الثقافية أسماء المفكرين والمبدعين، وهو أمر شائع في العديد منها، أما في المركز الثقافي في مدينة "شهبا" فهناك ما يثير الانتباه، وهو وجود خزانة كتب في قاعة المطالعة في المركز كتب عليها جناح الأستاذ "أحمد حماد".

ولدى سؤالنا الأستاذ "منير أبو زين الدين" مدير المركز عن الأستاذ "أحمد حماد" ومن يكون؟ قال: «"أحمد حماد" من طراز المربين النادرين، الذين أدوا رسالتهم النبيلة بكل تفان وإخلاص، فقد نذر حياته للتدريس والعطاء، وترك أجمل أثر في نفس كل من عرفه، كان يشتري الهدايا لطلابه، وينتقيها مميزة وقيمة، أذكر أنه يوم أصيب بمرض السرطان وأصبح مضطراً للغياب المتكرر عن صفه بقصد العلاج، قام بزيارة مدير التربية وطلب منه أن يقوم بتعيين مدرس بديل له، كي لا يضيع على طلابه دروساً، وأن يعينه في أي عمل إداري.

ربما "لبنى" تذكره أكثر من أختها الصغرى، كانت بعمر خمس سنوات عند وفاته، علمها الغناء وكان يقضي معظم وقته معها يتابع ما تشاهد من برامج على شاشة التلفاز، وكان موهوباً بالرسم وقد ورثت هذه الموهبة منه، كان يقضي معظم أوقاته في المطالعة وشجعني على هذا الشيء، وأصبح ينتقي لي بعض عناوين الكتب لأقرأها

للأستاذ "حماد" جناح في مركزنا مسمى باسمه، وذلك لأنه قدم للمركز كتباً من مكتبته الخاصة بحدود 250 كتاباً، بدأ هذا المشروع قبل وفاته، وتابعته زوجته بعد رحيله، وبدوري كمدير للمركز الثقافي قمت بتصميم ختم خاص يحمل إهداءه لقراء المركز، وختمنا به الصفحات الثلاث الأولى من كل كتاب موجود في جناحه، وأدرجنا أسماء الكتب في قائمة الكتب المعدة للإعارة، وأقل ما يمكننا عمله هو التكريم لمثل هذا الشخص، ولو أنني كنت أتمنى أن يكون التكريم في حياته، فقد كرم من قبل المركز الثقافي في أواخر عام 2011 ضمن لقاء أصدقاء المركز وتسلمت الدرع زوجته السيدة "منى بكري"».

موقع eSuweda زار السيدة "منى بكري" زوجة الأستاذ "أحمد حماد" في منزلها في مدينة "شهبا"، وتوقف معها على ضفاف الذكريات والشجون حيث تحدثت بداية عن أبرز صفات زوجها قائلة: «عشت مع زوجي "أحمد" ست سنوات فقط أنجبنا خلالها طفلتين، ولكنها كانت كفيلة لأعرف جوهره النقي، عرفته أخاً وصديقاً وفي قمة الحنان والعطاء، وراحته الوحيدة تكمن في قدرته على العطاء، هو من قرية "صميد" وقلما تجد بيتاً في تلك القرية، إلا وتجد لديه كتاباً مهدى من "أحمد" رحمه الله، وبعد وفاته علمت أنه كان محسناً لعدد من العائلات الفقيرة وبشكل دائم، وكان يتكفل بدفاتر وأقلام عدد كبير من طلابه، يشتريها لهم باستمرار، ما أثار دهشتي أني لم أعلم بهذه الأمور رغم وجودنا في نفس المنزل، فهو لم يبحث يوماً عن الشهرة، ولم يسع لنيلها، فقد كان قريباً من جميع الناس».

وبالعودة إلى مرحلة الطفولة، حدثتنا: «"أحمد" من مواليد عام 1953م، تميز بطفولة هادئة وكان ذكياً ومميزاً، ونظراً لتميزه في الصغر فقد تم ترفيعه من الصف الثالث إلى الخامس بشكل مباشر، وكان متميز بالرياضيات وقد نمى موهبته في هذه المادة فيما بعد.

بعد الثانوية درس في كلية الحقوق ولكنه لم يتابع بعد السنة الثانية، بسبب ظروفه الصعبة، فقد كان الأخ الأكبر لسبعة أشقاء وعليه مسؤولية تعليمهم ورعايتهم، لذا اختار العمل معلماً وكيلاً وتم تثبيته في عام 1977م، ليتابع مهمته بتربية اخوته والتعليم في مدارس "شهبا"، لديه مكتبة مميزة وثمينة تضم قرابة 2800 كتاب جميعها قرأها، كان يكتب ملاحظاته على كل كتاب بخط صغير وبقلم رصاص، يكتب رأيه وتعليقه على كل ما يقرأ، امتاز بقدرة كبيرة على الحفظ والتركيز، تلك المكتبة بدأ بتأسيسها مذ كان في الصف السابع، لديه العديد من الكتب تاريخ طباعتها كان أواخر الستينيات، كان يوفر من مصروفه الشخصي ليشتري كتباً، وبعد حصوله على راتب اشترك شهرياً بأكثر من مجلة وكتاب، من المتداول في الأسواق».

أما عن علاقته بابنتيه "لبنى" و"كندة" فأضافت: «ربما "لبنى" تذكره أكثر من أختها الصغرى، كانت بعمر خمس سنوات عند وفاته، علمها الغناء وكان يقضي معظم وقته معها يتابع ما تشاهد من برامج على شاشة التلفاز، وكان موهوباً بالرسم وقد ورثت هذه الموهبة منه، كان يقضي معظم أوقاته في المطالعة وشجعني على هذا الشيء، وأصبح ينتقي لي بعض عناوين الكتب لأقرأها».

الراحل قدم عدداً من الكتب للمركز الثقافي، وتم جمعها في جناح خاص يحمل اسمه، وقد حدثتنا السيدة "منى" عن الفكرة قائلة: «اعتاد "أحمد" على اهداء الكتب لأصدقائه وزملائه وطلابه، فقد أهدى منظمة الطلائع عدد من الكتيبات الخاصة بالمنظمة وبالتعريف بها، وبالنسبة للمركز الثقافي قدم 25 مسرحية عالمية كهدية للمركز، وكان ذلك قبل وفاته، وبعد وفاته اقترح الأستاذ "منير بو زين الدين" مدير المركز الثقافي والذي كان صديقاً للأستاذ "أحمد"، أن نكمل المشروع الذي بدأه ويخصص جناح في المركز يحمل اسمه، قمت بأرشفة الكتب ووضعت العناوين لدى الأستاذ "منير" الذي قام بانتقاء عدد منها ليصبح عدد الكتب الممنوحة للمركز 250 كتاباً، منهم الأعداد القديمة من مجلة المعرفة ما يقارب 130 عدداً، وعناوين غيرها لمتفرقات من مسرح عالمي وقصص أطفال ودراسات وروايات، فكرة وجود جناح خاص بزوجي فكرة رائعة، ويستحق الأستاذ "منير" كل الشكر والتقدير عليها، وأفكر بتوسيع جناحه في المركز وتقديم كتب باسم ابنتي في المستقبل».

الدكتور في كلية التربية جامعة "دمشق" "موفق حماد" شقيق الراحل "أحمد حماد" تحدث لموقعنا قائلاً: «أخي "أحمد" في قريتنا أرسى دعائم القراءة والمطالعة، فكل من عرفه كان يستعير منه الكتب، أو يتلقى أحدها كهدية، عمل في التعليم مدة 36 عاماً، كان متآلفاً مع مهنته حد التماهي، فأنا لا أذكر أحداً ذكره إلا وقال الأستاذ "أحمد"، فأنا لم أسمع اسمه مجرداً من دون لقب الأستاذ من أي شخص، حتى مظهره كان يوحي بالنبل، فهندامه أنيق ولبق الحديث وواسع الأفق، ومعارفه غزيرة، لدرجة أنه كان مرجعاً لكافة العلوم التربوية والاقتصادية والثقافية والفنية، في الحقيقة أنا شخصياً فضله علي لا يمكن أن أنساه فأنا إن أحببت الدراسة في كلية التربية، فذلك لأن أخي "أحمد" كان قدوتي ومثلي الأعلى، أذكر حادثة حصلت معي في صغري، فقد ابتعدت عن المدرسة فترة من الزمن وكنت في المرحلة الاعدادية، بسبب ظروف اقتصادية وبسبب ظروف بعدي عن أهلي حيث كان التدريس في مدينة "السويداء"، إلا أن وقوف أخي "أحمد" إلى جانبي وتوجيهاته المستمرة وتأثري به دفعاني للعودة إلى المدرسة، ودرست الاعدادية بشكل حر، وبفترة الخدمة الالزامية قدمت الثانوية أيضاً بشكل حر وحصلت على المركز الرابع على مستوى المحافظة، واخترت الدراسة بكلية التربية أسوة بشقيقي، والحمد لله كنت متفوقاً في كليتي وحصلت على دبلوم دراسات عليا أول، ودبلوم دراسات عليا ثان، وماجستير ودكتواه.

منذ الصغر تعلمت منه واخوتي حب المطالعة والقراءة، فقد كانت كتبه نافذتنا للتعرف على العالم الخارجي، حيث لم يكن هناك هواتف أو تفلزيونات حتى الراديو كان نادراً، أما كتبه ومجلاته فقد كانت غنية بكل ما هو مفيد، فلا يوجد أي دورية من الدوريات والمجلات التربوية التي كانت تصل إلى سورية، إلا وكان مشتركاً بها من مجلة العربي وعالم المعرفة وغيرها الكثير، حتى مجلات الأطفال ومجلات أسامة كان يشتريها ويوزعها لطلابه مجاناً، فأنا أتحدى أي شخص في محافظة "السويداء" أن يكون قد أسس مكتبة مثل مكتبة أخي بالكم والنوع، فقد كان الكتاب هو مصروفه الأول والأخير حتى على حساب قوته اليومي، فمهما تحدثت لا يمكنني أن أفي أخي حقه، فقد كرس حياته للتدريس حتى في فصل الصيف فقد كان قائداً لمعسكر الطلائع، وهو أول معلم أوصل طلابه إلى مرحلة الريادة على مستوى القطر في الأعمال اليدوية والفنية».