يرى التشكيلي "محمد حمود" الفن رسالة الخلود الباقية بعد الزوال، فهو وحي الواقع ومنتج الفكر وإبداع الإحساس وخلق للوجود برؤى متجددة.
موقع eSyria التقى الفنان بتاريخ 4/3/2012 وكان الحوار التالي:
بحكم العلاقة التي تربطني بالفنان "محمد" فأنا أعراف تاريخه الفني الذي بدأ منذ ستينيات القرن الماضي بشكل هواية وموهبة تحاول الظهور بكل قوة، إلا عامل الزمن لم يكن منصفاً لها في البداية حتى وجدت لنفسها الزمن الصحيح لتتبلور في معهد "مجيب داوود" وتبزغ كما الفجر من غشاوة الليل، فتصميم الفنان على قولبة أفكاره بشكل علمي وأكاديمي جعله يدرك ركب الفنانين المتميزين، فيتميز بخطه الفني ونهجه الفكري في تجسيد الأفكار بكل وضوح وبراعة ومهنية وحرفية عالية، وهذا ادركته بعد رؤيته وهو يتعامل مع الألوان على سطح اللوحة مباشرة
** خلال مراحل الدراسة كانت تشدني الصور في الكتاب أكثر مما تحمله الصفحات من كلمات، وهذا ما جعلني أتعلق بالألوان ودفعني للمشاركة بعدة معارض فنية في ستينيات القرن الماضي ضمن نشاطات اتحاد شبيبة الثورة، حيث تنوعت المعروضات ما بين عدة مواضيع منها الاجتماعية ومنها السياسية، وهذا ما أعتبره من وحي الفترة أي إن يكون الفنان ملتزما بحياة المجتمع الذي يحيط به ومجسد لما يحلم به ويتطلع إليه، وهذا التنوع يغني ويعبر عن حالته النفسية خلال العمل بكل لوحة، حيث إن كل متلقي يجد ما يهمه ويشد انتباهه في أي معرض مهما كانت فئته العمرية.
** الفن هو الحياة التي تجعلني أتفاءل بالواقع وتدفعني لتقديم شيء لها، وتجعلني عضواً فعالاً في الحياة، فهو الإحساس الذي أعيش به، وهو الاستمرارية في رؤية الحياة الجميلة التي امنحها لسعادة المتلقي.
الاعمال الفنية هي نتاج الفكر والبيئة ودورة الحياة التي نعيش بها، وهي الكلام الذي يمكن أن يتحدث به الفنان، ولا يمكن للفنان تقييمها وإنما المقيم لها هو المتلقي، وبالنسبة للموضوعات هي متنوعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الثقافية ويفهما العامل والموظف والمثقف، وهذا التنوع يلامس الحياة والواقع ويشعره بأنه قريب منه، ودليل ذلك اني عندما أقمت معرضاً في المنطقة الشرقية قدمت لوحات من البيئة الشرقية أوضحت فيها طريقة العيش والسكن، وطريقة بناء المنازل والتي هي عبارة عن قبب من الطين.
وبالنسبة لعملية البحث فقد غصت في التاريخ والأوابد التاريخية، وقد أرخت هذا في أعمالي من خلال تجسيد لوحات فيها بعض من الأدوات التراثية التي كانت اساس الحياة في الماضي، كالدولاب الحجري الذي استخدم لعصر الزيتون والذي استخدمه العرب بعد أن كان لهم الفضل في ابتكاره، وهذا التطرق هو تجسيد الحضارة والفكر ومخزونيهما.
** أتعامل مع المعارض الفنية كموضوع ثقافي بحت قابل للاستفاده منه بمختلف أوجهه، لذلك يتم التمعن بها وقراءتها بشكل موضوعي، لأنه عمل خلاق وجد لاستمرارية نهج معين يراه الفنان خلاله، وهذا ما يجب الوصول إليه خلال قراءة اللوحة للاستفادة منه بشكل منهجي وإضافته إلى مخزوننا الفكري، إضافة إلى أنه يكون بمثابة محرض للفنان لاستمرارية عملية الخلق الفني لديه.
** برأيي الشخصي لا يمكن أن ينجح عمل فني مطبوع نسخة طبق الأصل على فكرة ما سابقة، لأنه يجب على الفنان أن يضع لمسته الفنية بكل حرفية وبراعة لتكون بصمة يعرف بها وتميز لوحته أينما كانت، ومن هذا المنطلق أقول إنه عندما يريد الفنان تجسيد أعمال من المخزون الفكري والثقافي يجب عليه توصيفه ببراعة بريشته الفنية وأفكاره الإبداعية الخلاقة، فمستوى الفكر يختلف بين كل اثنين، فكل الفنان يملك فكراً وعيناً تختلف عن البقية، وهنا تكمن البراعة في عملية تجسيد الأفكار والرؤى الفنية الفكرية والثقافية التي ما تزال عالقة في مخيلته ومخيلة رفاقه الآخرين، فيبرز نجاح هذه العملية عندما يرى اللوحة أصدقاء الطفولة فيعيدوا قراءة أفكارهم الطفولية أو البيئة برؤى مختلفة.
** اتعامل مع اللوحة كجزء مني، فأرى فكري ومفهومي فيها وأرى شخصيتي بها، فالبعد الزمني هو علاقة إحساس الفنان بالانتماء، وإحساسي بالانتماء للبيئة التي أنا منها ومدى علاقتي بالطبيعة والضوء والمادة والمناخ هو شيء خاص لا يمكن وصفه أو التعبير عنه، فالماضي والمستقبل وحركة المادة بالفراغ يُكونان الزمن وعلاقته مع المادة ويشكلان معادلة اللوحة، وهنا تكمن علاقة أخرى من البحث والانتماء يتجسد بالحس الغرافيكي لسطح ما قبل اللوحة والتعامل معها.
العمل الفني هو مصدر السعادة لي دائماً، فلا يمكن أن أقارنه بالإنسان أو أي شيء آخر لأنه أكثر صدقا ومثالية، والعلاقة بيننا لا يمكن أن تتغير وهي خالدة بطبيعتها الأولى التي وجدت فيها، ولا يمكن أن تغير مشاعرها تجاهي، فهي مني ولا يمكن أن تتخلى عني، ويقال إن الصديق هو الخل الوفي والخل الوفي ليس موجود، وبالنسبة لي العمل الفني هو الخل الوفي لي.
** أنا برأيي أن تقييم العمل الفني ثابت ثبات الحياة له، فهو على مر العصور والتاريخ الطويل لا يتغير أو يتبدل فهي القيم التي لا يمكن أن تتغير، وبالنسبة للرؤى والأفكار فهي في تجدد دائم لكي لا يصل بنا الفن إلى الموت، فمسايرة الأفكار الواقعية مطلوب ولا يجوز التوقف عند حد معين في الإبداع والخلق الجديد، فالمطالعة والبعد الثقافي وتطور الأدوات الفنية ومتابعة كل ما هو جديد على الساحة الفنية هو سبيل الحياة المتجددة عند الفنان.
** بشكل عام احترم جميع المدارس الفنية، ففي كل منها نهج خاص يتميز من غيره، وبالنسبة لي أعمل على النهج التعبيري لأنه غير مبهم ويحتوي على الكثير من الإشارات والرموز التي توضح الرسالة والشخوص في اللوحة، فالمدرسة التعبيرية أقرب إلى ذاتي وفيها أجد الكثير من أفكاري. وفي هذا النوع من الرسم أتعامل مع الألوان بكل شفافية ووضوح، لأني أشعر بأنها تقرأ أفكاري، فالألوان الزاهية والمفرحة هي أكثر جاذبية برأيي للمتلقي، وهذا ما حاولت توظيفه بكل موضوعية ضمن لوحاتي، وبشكل عام أنا أجدها من طبيعتنا وتكويننا كبيئة ومجتمع "سوري".
** لا يمكن لأي فنان أن يخصص شيئاً من وقته للفن، لأنه لا يملك الأفكار بين يديه فهي وليدة لحظتها وزمانها، فهي كما الوحي، ومن الممكن أن تأتي الفكرة في منتصف الليل أو مع بزوغ الفجر أو في وضح النهار، وهنا أسارع إلى صناعة كروكي خاص بها يعتبر بمثابة شحنة تم تفريغها بشكل جزئي ليصار إلى تفريغها بشكل كامل في وقت لاحق قد يكون زمن اكتمالها وتخمرها في الذهن.
** أنا جميعها، فكثيراً ما أجد مكاناً للون الأزرق في لوحاتي بعيداً عن زرقة البحر وصفاء السماء، فهو جزء مني أشعر بوجوده داخلي وهو يحاول التمخض في كل ضربة فرشاة على السطح الأبيض النقي، وهذا ما اعتبره انعكاس البيئة البحرية على نفسيتي. اللوحة أنا، وأنا اللوحة فهي ذاتي وحياتي وماضٍ عشته وحاضر أعارك فيه ومستقبل سيحمل اسمي، وأقول إنني سأعيش دائماً وأبداً من خلال لوحاتي وأعمالي الفنية وليس من خلل جسدي الزائل.
وفي لقاء مع الآنسة "هبة حمود" خريجة كلية الفنون الجميلة ومهتمة بالمعارض الفنية قالت في توضيح الخط الفني الذي تراه في أعمال الفنان "محمد حمود": «بحكم العلاقة التي تربطني بالفنان "محمد" فأنا أعراف تاريخه الفني الذي بدأ منذ ستينيات القرن الماضي بشكل هواية وموهبة تحاول الظهور بكل قوة، إلا عامل الزمن لم يكن منصفاً لها في البداية حتى وجدت لنفسها الزمن الصحيح لتتبلور في معهد "مجيب داوود" وتبزغ كما الفجر من غشاوة الليل، فتصميم الفنان على قولبة أفكاره بشكل علمي وأكاديمي جعله يدرك ركب الفنانين المتميزين، فيتميز بخطه الفني ونهجه الفكري في تجسيد الأفكار بكل وضوح وبراعة ومهنية وحرفية عالية، وهذا ادركته بعد رؤيته وهو يتعامل مع الألوان على سطح اللوحة مباشرة».
يشار إلى أن الفنان "محمد حمود" من مواليد قرية "المبعوجة" في محافظة "حماة" ومقيم في "طرطوس" منذ زمن بعيد وأقام فيها الكثير من المعارض الفردية والجماعية.
