بين لغة الأدب والسرد الروائي تُطرح رؤى ثقافية في تنمية علاقة الفرد بالمجتمع وتُنقل هموم البيئة، وبعدسة الإخراج يرى الباحث عملية التفاعل والتشارك بين الكلمة والفعل والنتيجة.

حول المقاربات الخاصة بعلاقة الفرد مع المجتمع من حيث التواصل والتفاعل والتشارك بيّن الأديب "جميل سلّوم شقير" عضو اتحاد الكتاب العرب لموقع eSwueda بتاريخ 20/1/2012 قائلاً: «منذ عشرات آلاف السنين، وربما قبل أن يكون هناك أداة للتفاهم بين بني البشر، كان هناك ميل غريزي لدى الأفراد لتقارب بعضهم من بعض، والعيش على شكل جماعة، أو جماعات، وقد بدأت تتمتن تلك العلاقة من خلال إحساس الفرد بالخوف من ظواهر الطبيعة أولاً، ومن المفترسات المحيطة به ثانياً، أو الخوف من اعتداء مجموعات بشرية أخرى ثالثاً، ما أعطى للفرد شيئاً من الأمان في ظلِّ الجماعة حتى لو كان عددها قليلاً، ثم فرض هذا التعايش ضرورةً للتفاهم بين أفرادها، حيث ظهرت اللغة كتطور حتمي، ولولا هذا التجمع والاختلاط، لما ظهرت اللغة قطعاً، اللغة التي بدأت بالإشارة من خلال حركات الوجه والرأس والأطراف، ثم اقترنت بأصوات معينة صدرت عن الفم واللسان ما جعل المجموعات البشرية الأولى تتمكن من التفاهم وتشكيل ملكات لغوية مشتركة يمكن أن نسميها مدخلاً إلى ثقافة جمعية مشتركة، أما اختراع الكتابة فقد أحدث نقلة نوعية في تاريخ التطور البشري، إذ صار من الممكن نقل الأفكار من جيلٍ إلى آخر، ومن ثم من مجتمع إلى آخر، مما عزز من وجود ثقافة جمعية لدى أكثر من تجمع بشري فانتشرت المعارف العلمية وسادت ضوابط للعلاقات الأسرية وبدأت تظهر الرغبة بالتملك والاستحواذ سواء لدى الجماعة كالسيطرة على بقعة جغرافية معينة أو لدى الأفراد بتملّك الحاجيات ما أوجد بذور النزاعات سواء بين الأفراد أنفسهم أو بين مجموعة بشرية وأخرى ما قاد إلى ضرورة إيجاد ضوابط للحدّ من النزاعات، فنشأت الأعراف والتقاليد التي قيّدت الأفراد وضبطت سلوكاتهم ضمن قناعات الجماعة، من هنا بدأت العلاقة الجدلية بين الفرد والجماعة، السلطة»

تتابعت الاختراعات والاكتشافات كي تُحدث تغييراً مستمرّاً في العلاقة بين الفرد والدولة، فاختراع الكهرباء مثلاً نقل البشرية من الظلمة إلى النور، وكما فعلت الثورة الصناعية، فقد أصبح الفرد رقماً بلا اسم، تطحنه عجلة الصناعة، دون أية مراعاة للجوانب الأخلاقية، ثم سيطرت على مقاليد الأمور سلطات جعلت من الاستبداد نهجاً ثابتاً لها، واستأثرت بمقدرات الدولة، وذلك في ظل التعتيم الإعلامي، وبالمقابل فإن ثورة المعلومات وتطور أدوات الاتصال والضخ الإعلامي عبر الفضائيات، قد خلق ثقافات جمعية جديدة، حيث قامت الشبكة العنكبوتية بتصغير حجم الأرض وإلغاء المسافات، ونفخت في روح الفرد نار حقّهِ في الحرية، كشخصية مستقلة، ثم صار الفرد في الوقت ذاته يشكل ذرة من مكونات حراك جمعي يدين بثقافة جمعية أعلنت عن ذاتها بثورات احتجاجية أطاحت بالعديد من النظم الاستبدادية، لأنه أوقع تلك الدول في التخبط والعماء، ودفعها للسلوك الخطر، ألا وهو القمع

وعن أهمية القاسم المشترك المجتمعي الذي يؤسس لثقافة جمعية استقلالية تابع الأديب"جميل شقير" بالقول: «دينامية الحياة وتطور العلوم والاكتشافات عززت دور الجماعة كناظم "كونترول" يجب على الأفراد القبول به، ثم نشأت فيما بعد ما سُمي بالقوانين أو الدساتير، وقد وصلنا منها قانون حمورابي والقوانين الفرعونية المصرية، ثم تلتها قوانين وضعية وأكثر تعقيداً على زمن حضارات أحدث مثل الإغريق واليونان ثم الرومان، مستجيبة لمتطلبات العصر، حيث ازدهرت العلوم من رياضيات وفيزياء وفلك وطب وهندسة عمارة، مما جعل النظرة الماديّة تطغى على السمات الروحية للفرد، ظهرت بعدها دعوات تؤكد ضرورة اقتران العلم بالأخلاق والتأكيد على احترام الثالوث المثالي " الحق والخير والجمال " لتصعيد السلوك الإنساني والسمو بالعلاقات الاجتماعية وإبعاد الإنسان عن سلوك الغابة، مما مهّد لظهور الديانات التي كان قاسمها الأعظم هو الردع، مستفيدة من جهل المجتمعات عن مكنونات الكون، حيث لوّحت بالجنة لمن عَمِلَ الخير، وبالنار لمن يمارس الشر، وكان مسعاها جميعاً تشكيل ثقافة جمعية تتحول إلى ضوابط ذاتية "جوّانية " تتقيد تلقائياً بتعاليم هذه الديانة أو تلك، حيث قيّد معظمها العقل وحرمه نعمه المحاكمة، فتشكلت تبعاً لذلك ثقافات جمعية مختلفة كتحريم ذبح البقر في الهند، أو تحريم تناول لحم الخنزير، كما اختلفت رؤية تلك الديانات للعلاقة مع المرأة، حيث نشأت على الغالب ثقافة جمعية ذكورية، ربما لأن الأنبياء كافة كانوا ذكوراً، وبعد أن بدأ مفهوم الدولة بالتورّم، بدأت تبرر لنفسها وسائل القمع بحجة الحفاظ على استقرار المجتمع، وانتشر مفهوم "الأرض وما عليها لواليها"».

المخرج والباحث حسن عز الدين

وحول ما أفرزته ثورة المعلومات من نظم جديدة ترتبط بتغيير آلية التواصل وتقنياتها ومدى انعكاسها على الفرد والمجتمع أوضح الأديب "جميل شقير" بالقول: «تتابعت الاختراعات والاكتشافات كي تُحدث تغييراً مستمرّاً في العلاقة بين الفرد والدولة، فاختراع الكهرباء مثلاً نقل البشرية من الظلمة إلى النور، وكما فعلت الثورة الصناعية، فقد أصبح الفرد رقماً بلا اسم، تطحنه عجلة الصناعة، دون أية مراعاة للجوانب الأخلاقية، ثم سيطرت على مقاليد الأمور سلطات جعلت من الاستبداد نهجاً ثابتاً لها، واستأثرت بمقدرات الدولة، وذلك في ظل التعتيم الإعلامي، وبالمقابل فإن ثورة المعلومات وتطور أدوات الاتصال والضخ الإعلامي عبر الفضائيات، قد خلق ثقافات جمعية جديدة، حيث قامت الشبكة العنكبوتية بتصغير حجم الأرض وإلغاء المسافات، ونفخت في روح الفرد نار حقّهِ في الحرية، كشخصية مستقلة، ثم صار الفرد في الوقت ذاته يشكل ذرة من مكونات حراك جمعي يدين بثقافة جمعية أعلنت عن ذاتها بثورات احتجاجية أطاحت بالعديد من النظم الاستبدادية، لأنه أوقع تلك الدول في التخبط والعماء، ودفعها للسلوك الخطر، ألا وهو القمع».

وبنظرة مختلفة بين لغة الأدب وبين البحث والإخراج أكد "المخرج والباحث" حسن عز الدين" رؤيته بما أفرزت ثورة المعلومات من نظم جديدة ترتبط بتغيير آلية التواصل وتقنياتها قائلاً: «في العقدين الأخيرين المنصرمين ظهرت تطورات تقنية هائلة وتكنولوجيا معقدة في هذه النظم كان لها عظيم الأثر على حياتنا، خاصة جيل الشباب الذي شدته هذه التقنية وأعجب بها، وأحسن التعرف عليها، وراح يستعملها وتأثر بها بقدر يختلف بين متلق وآخر طبقا لعوامل متعددة منها المستوى الثقافي، والعمل التربوي و الأسري والتعليمي، ومدى الرقابة المباشرة وغير المباشرة، وجاءت النتائج معبرة عن انتكاسة كبرى في القيم، والمواقف الإنسانية، وتسطح بشكل مخيف في معنى حياتنا ووجودنا، ومواقفنا الإنسانية، وتاريخنا وتراثنا وصار البعض ينظر إلى هذه القيم على أنها موضة قديمة عفى عليها الزمن أو أشياء مثالية يصعب تحقيقها، وإن العقبات في هذه المشكلات التي نعالجها هي تحد، ويجدر التعامل معها بعقل مفتوح، وهذه التحولات هي تغيرات، تغيرات تتولد نتيجة التطور العلمي الذي من المؤكد أنه يؤثر في المستوى السلوكي لمتلقي هذه المعطيات المستجدة والتي تجعل من هذا التكيف السلوكي عملية فعالة».

الأديب جميل شقير

وعن مقومات المنظومة الديمقراطية ومكانة الحرية فيها، والتغييرات في مفاهيم الحياة وفرضها على الحالة الأخلاقية ضغوطات كبيرة، بين الأستاذ "حسن عز الدين" قائلاً: «بإسم الحرية والديموقراطية، صار بعضهم يعمل بلغة الفرد المتمرد على الأخلاق مستنكرا للأعراف والتقاليد، مشككاُ بالتاريخ الوطني والقومي، منسلخا عن أمته وشعبه، والحجة هي حريته الشخصية، والتي شوهدت تلك الثقافة الوافدة إلينا، والمشبعة بالسموم القاتلة التي تريد فصلنا عن تراثنا الحضاري العربي وتكرس فينا روح الفردية المثمرة، وهنا تبرز حاجتنا إلى العلوم الإنسانية التي تعزز فينا القيم الصالحة والأخلاق الفاضلة التي تسمو بنا إلى سدة الخير والفلاح، لنا ولمجتمعنا ولوطننا، وحتى نستطيع التصدي لهذه الهجمة الثقافية الاستعمارية الوافدة إلينا عبر ثورة المعلومات، التي لا نستطيع رفضها، علينا أن نحسن الإفادة منها بالتوعية والإرشاد والتوجيه والفرز، ابتدأ العملية بالأسرة وتستمر مع جميع مراحل التربية والتعليم، وعلى الإعلام ممارسة هذا الدور بشكل علمي ومنهجي مدروس وبكلمة واعية مسؤولة، بمعنى أن نكون على استعداد لمواجهة هذا التطور الكبير على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي والسياسي، وعلى نطاق الفرد والمجتمع بل العالم بأسره، كما يجب أن تكون الثقافة للجميع وفي خدمة الجميع، ونحن كبلد نسعى للتحرر الوطني، والتقدم الاجتماعي نرحب بإغناء ثقافتنا، ونرحب بالتفاعل مع الثقافات الأخرى للإسهام في الحضارة البشرية ومواكبة التقدم العلمي الذي يصب بخدمة الإنسانية بشكل عام، ويستجيب لضرورات العصر والتقدم التقني، لا للثقافة التي تروج للأفكار عنصرية وتدعو للجريمة والعنف، من هنا برزت نظرية "الأنفع ماديا، الأصلح دوما"، لتأخذ الثقافة الدور الهام وهي التي تعتبر خدمة معرفية تصوغ المواطن، وتنمي فيه حب الوجدان وفكرة العدالة للمجتمع، والثقافة لن تكون مغلقة بل وسيلة صالحة لتحقيق التفاعل مع ثقافات العالم المتعددة، وعلينا الإستفادة من هذه الخبرات وتلك التجارب للإسهام في الحضارة البشرية، وإذا كانت هذه الثورة الثقافية تملك من الغنى الشيئ الكثير بسبب التطور الدائم المتسارع في ثورة المعلومات، هي في جانب منها معبرة عن قضايا الناس وبالتالي ستكون مؤثرة في سلوكهم، وعلينا أن نكون في غاية الحذر من هذا الغزو الثقافي الامبريالي التي تضخه الفضائيات التي انتشرت في جميع أنحاء العالم، وما تدسه من سموم وأفكار هدامة يمكن أن تؤثر في العقول الناشئة بل في عقول الكثير من المتلقين».

الأستاذ حسن عز الدين