في مدينة "اللاذقية" وبين الأحياء والأزقة تسمع ألف حكاية وحكاية، ومع مرور الزمن، اندثر الجميل منها، ولم يبق لها من شاهد سوى الحجارة والأزقة والأثر الشعبي الذي بقي على ألسنة أهل المحافظة، تنتعش به الليالي، وتحلو به الأوقات.

في "اللاذقية" كل اسم أو كلمة لها قصة بقيت إلى يومنا هذا تتداولها الصحف اليومية الصباحية الشعبية على قارعة الطرق والأرصفة وكراسي المقاهي وجلسات النساء، في كل منها فوائد وعبر.

قررت "رقية" تغيير مهنتها بعد أن شاهدت مهنة "الأرباطية" النظيفة في قراءة الودع وما شابه، فتحولت بعد ذلك إلى بصارة، بعدما تعلمت ضرب الودع، ولكن "رقية" اختصت بالعشاق وحكاياتهم

قصة "رقية" و"الأرباطية" تعرضت للعبث الذي أثار رعب الأطفال لكنها حظيت باهتمام الكبار للهو مع الأطفال من جهة ولزيادة مستوى السيطرة عليهم من جهة ثانية.

الباحث اسامة الخياط

يتردد في عالم الحكايات ومتحدثيها أنه في عام 1967 كان يوجد سيدة في العقد السادس من العمر، شقراء ووجهها جميل تضع غطاء (إشارب) على رأسها معصوب بشكل قبعة، تنتعل خفاً مطاطياً (شحاطة بلاستيك) قطعه الزمن وأكلت منه الشوارع، هي السيدة "رقية"، التي كانت تضع على ظهرها كيساً قطنياً كبيراً وتحزمه حول خصرها بحبل، وكانت تدور على البيوت ليتكرموا عليها بأي شيء، لا توفر شيئاً لتضعه في الكيس الكبير.

يتحدث عن تفاصيل شخصية "رقية" الباحث في تراث المجتمع اللاذقاني الأستاذ "أسامة الخياط" ليروي لموقع eLatakia هذه الحكاية الشعبية الواقعية يوم 30/12/2011: «"رقية" نظيفة جدا لدرجة أنها داخل الحي تلتقط أي شيء تراه على الأرض وتضعه في الكيس، فالقشر الناتج عن البطيخ هو مما يستقر في كيسها والخبز اليابس وحبات الطماطم الفاسدة والقطع الخشبية المتناثرة، تختفي "رقية" تحت الكيس المنفوخ ثم تعود في اليوم التالي بنفس الطريقة، وهكذا تكون رقية موجودة في كل الأحياء ماشية على قدميها».

يقول الباحث "الخياط" متابعاً في سرد القصة التي شاعت حولها احاديث كثيرة أحاطت بشكل رئيسي بالشخصية "رقية" خلال وقت من الأوقات وسط القرن الماضي، قسم كبير ممن عايشها لم يفهمها إلى اليوم: «كانت تتردد أخبار وشائعات تفيد بأن كيسها معبأ بالأطفال لكون "رقية" عندما تضع بقايا البطيخ أو الطماطم الفاسدة فالكيس يتلون باللون الأحمر ولكثرة ما في الكيس من خردوات يسيل منه عصير البطيخ والطماطم، فيظنه الناس دماً، وهكذا تلتصق التهمة بالسيدة "الرقية" إلى الأبد، فهي بحجة التسول تسرق الأطفال حسب ما تردد آنذاك».

يقول "الخياط": «الناس عملوا حينها إلى منع أولادهم من النزول إلى الشارع وترهيبهم بـ (التسليم لرقية)، وينادونها بكلمات إلى اليوم نذكرها: "رقية حبه وقية، خدي عبودة واطبخي ملوخية"، أو ينادونها: "خدي حموده واعملي تفاحية"، وهكذا يحقق الأهل مستوى أعلى من السيطرة على أطفالهم، دون أن يدركوا مستوى الحقد والرغبة بالانتقام التي تزرع في قلب الطفل تجاه المسكينة رقية».

كيف يكون الانتقام، هذا كان السؤال العام الذي تداوله أطفال ذلك الزمن، ولذلك استطعنا استطلاع آراء من كبر أكثر من خمسين عاماً ليروي ما كان يفعله بتلك السيدة المسكينة.

يروي "محمد شريقي" ما فعله هو ومن معه حينها من أجل الانتقام الطفولي من "رقية"، بغية الانتقام منها لأنها أرهبتهم وأخافتهم، فيقول: «يتفق الأطفال ويعلنون الولاء للجماعة، والكل يد واحدة، يربطون أجسامهم بحبل مشترك حتى لا تستطيع رقية خطف ولد واحد منهم ووضعه في الكيس، وإذا اقتربت "رقية" من الحي تدب النخوة والشهامة في نفوس الأطفال فيتسللون خلف ظهرها ومع كل منهم عصا خشبية، يضربون بها كيس "رقية" ليتحسسوا ما بداخله».

يضيف "الشريقي": «نتحضر لساعة الصفر، حيث الانقضاض على الكيس الهدف، وتسقط المسكينة على الأرض، وبالطبع يقومون بالهروب لكون "رقية" بعد سقوطها ستخلع الكيس وتلحق بهم، وإن تمكنت رقية من الإمساك بأحد الأولاد فسيكون الخيار الوحيد لدى كل الأطفال هو المواجهة بسبب عدم القدرة على الهروب نتيجة للحبل المشترك، وهنا تعمل الحكمة التي تقول "الكثرة تغلب.. رقية"».

فيما يتحدث الحلاق القديم "أبو أحمد اختيار" متابعاً في الحديث عن ذات الحكاية وتفصيلاتها: «المشهد الكوميدي الذي كان يحدث معنا كأطفال أحيانا، هو وجود اختلافات في سرعة الركض بين الأطفال فمنهم من هو بسرعة الريح ولا يستطيع بقية الأطفال مجاراته، وهنا تكمن سلبية الحبل المشترك الذي يؤدي إلى سقوط بعض الأطفال ويضطر البقية إلى جرهم خلفهم منظفين الشارع بثيابهم، والغريب أنهم لا يعاتبون بعضهم فالقضية فيها حياة أو موت ولا مكان للخلافات حسب ما كنا نعتقد به، بعد أن يفروا، كانت تبدأ الحكايات (والتجليط والهزل) فهذا يدعي أن "محمد" و"عبودة" على سبيل المثال خرجوا من الكيس والآخر يشعر بأن الكذبة كبيرة وفي نفس الوقت لن يكذب أصدقائه ويقول أنه لم يشاهد بعينه ولكنه سمع أصوات فلان وفلان».

بالعودة إلى "الخياط" والذي ختم بنهاية إيام "رقية": «قررت "رقية" تغيير مهنتها بعد أن شاهدت مهنة "الأرباطية" النظيفة في قراءة الودع وما شابه، فتحولت بعد ذلك إلى بصارة، بعدما تعلمت ضرب الودع، ولكن "رقية" اختصت بالعشاق وحكاياتهم».

تجدر الإشارة الى أن "رقية" توفيت في بيتها، وقيل إنه وُجد فيه جرة فخارية ممتلئة بالمال حسب ما تحدث به جيرانها.