يحفل الأدب الشعبي "بدير الزور" بترانيم كثيرة منها ترانيم ترقيص الطفل وتسمى "التهشيش" وأخرى لإنامة الطفل وتسمى "الهدي" وثالثة لصيانة ابنها من العين.

ترانيم "التهشيش والهدي" قديمة في "دير الزور" لا يعلم قائلها، تسمعه البنات في الصغر والكبر فيحفظنه، وعندما يصبحن أمهات يترنمن به لأطفالهن، ينتقل بالسماع من جيل لآخر.

لا يقتصر ترنم الأطفال على الأم وحدها، بل كان ولا يزال يشاركها فيه أفراد أسرتها الأب والأخت والجد والجدة والعم والعمة والخال والخالة، غير أن الأم تتقدم الجميع بذلك، ويكاد يكون وقفاً عليها

موقع "eSyria" التقى بتاريخ 30/11/2011 الباحث "غسان رمضان" ليعرفنا على معنى "الترانيم" والقصائد التي ترقص الأمهات أطفالهن على نغمها والذي قال: «يعرف "الترنيم" بأنه رجع صوته وطرّبه، حيث تتسم ترانيم ترقيص الأطفال ببساطة الصياغة، وتعبر عن آمال الأمهات في أطفالهن، وتشيع هذه الترانيم أرق العواطف وأنبل الأحاسيس والمعاني التي تستبد بوجدان الأمهات».

الباحث زهير العلي

وعن تشبيه الأمهات لأطفالهن أثناء ترقيصهن على أنغام الترنيم حدثنا "رمضان" عنها قائلاً: «كانت الأمهات يرقصن أطفالهن على نغم الشعر، ينظمنه في معان مختلفة، ويتضمن تشبيه الطفل بشخص عزيز، ويشدو هذا الشعر بصفات الطفل ذكرا أم أنثى، وتكتفي بعض الترانيم بالتعبير عن الحب الطاغي للطفل، وتعنى بعض الترانيم بعراقة أسرة الطفل أي إنها ترسم له طريق أسرته ليسير عليها عندما يكبر».

وأشار "رمضان" بالقول: «لا يقتصر ترنم الأطفال على الأم وحدها، بل كان ولا يزال يشاركها فيه أفراد أسرتها الأب والأخت والجد والجدة والعم والعمة والخال والخالة، غير أن الأم تتقدم الجميع بذلك، ويكاد يكون وقفاً عليها».

تهشيش الأم لابنها

وبين الباحث الاجتماعي "زهير العلي" ترانيم "التهشيش" والذي قال: «"التهشيش" يعني ترقيص الأم لطفلها والغناء له معاً، وهشش الولد يعني نشطه وفرحه، وضرب "العلي" بعض الأمثلة عن التهشيش، فعندما تداعب الأم طفلها الذكر وتمتدحه في صورة فتى تقول:

ياعينه عين كدري/ جبينه عرض شبري

الباحث نوري علاوي

أيده بالقلم تبري/ نسله نسل الأمار

وأضاف "العلي" بالقول: «عندما يعود الطفل إلى البيت تحييه الأم قائلة:

حي قليبه وين كان/ لاخلي منه المكان

وأن خلي منه بويتي/ عند بيه بالدكان

أو تقول:

ياويلاد حياكم/ وحي ابني معاكم

وأن كان مو معاكم/ لا جيتم ولا حياكم

أما عن ترنم الأم بمحاسن ابنتها وأصالتها وجدودها الكرام فتقول الحاجة "عائشة الابراهيم":

"فاطمة" بنت أبوها/ ألف من خطبوها

واحد يقل لواحد/ أنا عبدك يا بوها

"فاطمة" من جودها/ والكرام جدودها

والمعاضد عشرة/ ينبته بزنودها

وتضيف "الإبراهيم" بالقول: «تخشى الأم على ابنها من عين الحاسدات ولذا تضمن "التهشيش" قسماً من الدعاء على كل امرأة لا تصلي على النبي وهي تنظر إلى الطفل فتقول:

ياعين عني جنبي/ ألف الصلاة على النبي

ال ما تصلي على النبي/ تعمى وما تشوف الصبي

وللتعرف على ترانيم "الهدي" التقينا الباحث "نوري علاوي" والذي قال: «الهدي من الهدهدة وهي ترنيم الأم لطفلها لينام، والهدي غناء بكائي نسائي يفيض لوعة وأسى، تغنيه المرأة لنفسها لا لإنامة طفلها فقط، فهو يصور آلامها ومشاعرها وعواطفها وتبدأ ترنيمة الهدي بــ "أوه واه"، وتدور ترانيم الهدي حول معان شتى ففيها تصوير للمشاعر، وتوسل للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها حكمة وإباء وتأس».

وضرب "علاوي" بعض الأمثلة عن الهدي فقال:

"أوه واه"... أحمد محمد اسمه بالسما محمود/ يابو تراجي ذهب يابو عيون سود/ عزيت يا خالقي جليت يا معبود/ تخلق من الطين خد أحمر عيونه سود.

ومن ترانيم "الهدي" أيضاً

"أو واه" ...أصبحت ببلاد وأصبحوا خلتي ببلاد

وأصبح قليبي على الفرقة فحم حداد

يا صانعين الخشب حاج تصنعون وتاد

يوم الهنا والفرح كلي بليا زاد

شب الأطفال في "دير الزور" على "التهشيش" وعلى "الهدي" وألفت مسامعهم غناء الأمهات، فصار الترنيم حاجة أولية من حاجاتهم.

الصورة الرئيسة التقطت من متحف التقاليد الشعبية بدير الزور.