خمسون عاماً قضاها الصياد "عوض الظروف" في ترميم شباك صيده التي جاب فيها عرض البحر بحثاً عن رزقه ورزق أسرته.

فصيد الأسماك بالشباك البحرية هي المهنة التي أحبها وخبر كل خفاياها، فكان لها الربان ولشباكها النسّاج بكل إتقان، فما ينفك الصياد "عوض" يخرج من عرض البحر حتى يسارع إلى معاينة شباكه بكل دقة وتمعن ليعمل على ترميم- رتي- الأجزاء المهتكة منها لأسباب يدرك بعضها ويجهل بعضها الآخر، وهنا يقول السيد "عوض الظروف" خلال لقاء موقع eSyria به بتاريخ "20/7/2011":

إن متابعة البحث عن العينيات المهترئة في الشباك أمر ضروري لأنه يحافظ على الشباك سليمة معافاة ويطيل عمرها ويحسن أداءها، وهذا أمر مهم جداً لأن ثمن الشباك ليس بقليل وليس بمقدور الصياد تبديل شباكه في كل فترة، فقد يصل ثمن الكيلوغرام الواحد منها إلى حوالي /4000/ ليرة، لذلك فإن مهنة الرتي مهنة ضرورية لكل صياد

«لقد عشت وترعرعت على شاطئ البحر فمنذ أوائل سنوات الشباب عملت في مهنة صيد الأسماك ضمن هذه المنطقة التي أعيش فيها حالياً بجانب أقدم وأعرق المرافئ على حوض المتوسط وهو "مرفأ الخراب القديم" الذي أشعر بذاتي بأني أستوحي منه حب المياه المالحة والتعامل معها، حتى أضحت فيها كل حياتي ومن خلالها ثروتي التي ورثتها لأبنائي، فصيد الأسماك ليس كل شيء كما يعتقد البعض، فهي مهنة بحاجة إلى متابعة دقيقة لأدوات العمل التي أساسها شباك الصيد ومعرفة التعامل معها، وثانيها الخبرة في المحافظة عليها لأن أسعارها باهظة الثمن ولا يمكن شراؤها باستمرار.

الصياد "سامر" يحدثنا عن مهنة والده وهو يعمل بها امامنا

إذاً فهي بحاجة إلى مراقبة دائمة وبحث مستمر بين خيوطها وعينياتها- فتحاتها- لاكتشاف المناطق المهترئة منها وإصلاحها، لتحافظ على جودتها ومهامها في صيد الأسماك بمختلف أنواعها وأشكالها».

فمع كل بزوغ فجر يوم جديد عمل مستمر وحياة لا تنتظر من يتخلف عنها ويتأخر، وهنا يقول: «نبدأ يومنا منذ ساعات الصباح الباكر بتفقد الشبك ووضعها في القارب وتجهيز المؤن لحوالي /8/ ساعات عمل وبحث عن الرزق، وهذه باعتقادي وبحسب خبرتي الشخصية رحلة مجهولة لا ندرك خفاياها ولو لساعة لاحقة، ولكن بحمد الله وشكره ينتهي العمل في عباب البحر بمثلما يبدأ.

الصياد "عوض"

ولكن هذا ليس كل شيء، حيث بعدما نعود إلى البر سالمين أنا وأبنائي تبدأ مهمة فرز الأسماك التي رزقنا الله إياها، ليصار إلى بيعها في المسامك والمحال الخاصة بها، أو للذين يحبون الصيد الطري أو ما يعرف بالسمك البلدي، ولكن هذا ليس كل شيء أيضاً حيث تبدأ المهمة الأصعب- الرتي- والتي حاولت تعليمها بكل إتقان لأبنائي، والحمد لله نجحت.

وهذا ما جعلني أرتاح قليلاً، فمهمة صيانة الشباك مهمة ليست سهلة وبحاجة إلى عينين ثاقبتين وبال طويل، لأنها تعتمد على البحث والتقصي بين عينيات الشباك عن التالف منها بسبب الأسماك الكبيرة والشرسة أو بسبب بعض الصخور التي تعلق بها في المياه، لإعادة هيكلتها من جديد بواسطة أدوات وخيوط نشتريها ونعمل على تجهيزها مسبقاً».

إن مهنة "رتي" الشباك مهنة العجائز كما يقال في عرف البحارة والصيادين، وهنا يقول السيد "عوض": «في هذا العمل نقضي ساعات طويلة ونحن جالسين نبحث عن الأجزاء المهتكة والمهترئة ضمن الشباك وهذا كما قلت بحاجة إلى بال طويل وهو ما يملكه الرجل الكهل مثلي، لذلك تسمى مهنة- رتي الشباك- مهنة العجائز، ولكني مع بداية تعلق أبنائي بالعمل البحري عمدت إلى تعليمهم هذه المهنة، والتي تكمن أدواتها بالخيوط والإبرة المعدنية الكبيرة الخاصة- النساجة- التي يتم لف الخيوط عليها وحياكة العينيات بها، وذلك بطريقة فنية علمية فيها بعض الصعوبة».

ويتابع: «خلال البحث عن عينيات مهترئة والعثور عليها نأتي بالإبرة المجهزة بالخيوط ونبدأ بعقدها على الشبكة الأساسية ومن ثم ندخلها فيها بطريقة من السهل العمل بها ومن الصعب توضيحها، حيث تعتمد على مبدأ الوصل بين كل طرف مع العقد بين الخيوط، ليلاحظ في النهاية أن القسم المهتك من الشبكة عاد كما السابق ولكن بعينية جديدة أكثر متانة».

وفي لقاء مع السيد "سامر الظروف" ابن السيد "عوض" أكد أنه أتقن مهنة-رتي الشباك- منذ كان صغيراً من خلال والده الذي يراه من أمهر من عمل بهذه المهنة، مضيفاً:

«كنت كثيراً ما أتساءل عما يفعله والدي بعد خروجه من البحر بشباك الصيد، فكان يقلبها بين يديه ويتفحصها بشكل دقيق، ومع مراقبتي له أدركت أن صيد الأسماك ليس كل شيء في العمل البحري، فطلبت منه أن يعلمني هذه الحرفة لأكون صياداً يتقن فن الصيد، وبالفعل وبفضل مهارة والدي تعلمت- رتي الشباك- بسرعة، حيث عمد إلى تعليمي الخطوط العريضة لمبادئ العمل ومن ثم دخل بي إلى طريقة صيانة العينية، وطبعاً هذا لأنه يتقن هذا العمل بكل خفاياه».

ويضيف: «إن متابعة البحث عن العينيات المهترئة في الشباك أمر ضروري لأنه يحافظ على الشباك سليمة معافاة ويطيل عمرها ويحسن أداءها، وهذا أمر مهم جداً لأن ثمن الشباك ليس بقليل وليس بمقدور الصياد تبديل شباكه في كل فترة، فقد يصل ثمن الكيلوغرام الواحد منها إلى حوالي /4000/ ليرة، لذلك فإن مهنة الرتي مهنة ضرورية لكل صياد».