من اللوحات الهامة التي يقتنيها متحف "معرة النعمان" هي لوحة "دير شرقي" التي اكتشفت ضمن بناء قديم يعتقد بأنه الدير الذي تنسب له هذه القرية الواقعة على بعد 7 كم جنوب شرق مدينة "معرة النعمان"، وقد تم الكشف عن هذه الأرضية في عام 1973 من قبل بعثة في المديرية العامة للآثار والمتاحف وهي تعتبر من اللوحات الكبيرة المعروضة في المتحف.

الباحث الأثاري "أحمد غريب" تحدث لموقع eIdleb عن هذه اللوحة بالقول: «يعود تاريخ لوحة فسيفساء "الدير الشرقي" إلى أواخر القرن الرابع الميلادي وبداية القرن الخامس الميلادي كما ذكرت العالمة البلجيكية "جانين بالتي"، تبلغ مساحتها بحدود 90 م2، واللافت في هذه الأرضية هو التجريد المطلق الذي استخدمه الفنان الفسيفسائي الذي كان قد أبعد عن التمثيل الوثني بتعاليم دينية بحجة عدم مضاهاة الإله، حيث نلاحظ وجود أشكال هندسية ضمنها عناصر نباتية، ومن نظرة متفحصة نلاحظ بأن الروح ابتعدت عن هذه الأرضية فلا وجود لأي عناصر حيوانية أو إنسانية فيها، وإنما مجرد رسوم هندسية بتراكيب رائعة جداً، حيث نلاحظ بزخارف هندسية مؤلفة من خمس مجموعات وكل منها يحصر مثمناً وفي داخله دائرة بتشكيل هندسي بديع، تحتوي هذه الأرضية على نصين كتابيين باللغة اليونانية ترجمة الأول: "يارب بارك بيت ليفسينوس نسطور من أجل كل شيء"، وترجمة الآخر: "يا رب كن معيناً في كل شيء لكنسيانوس وإخوته ولكل المختصين"، ونلاحظ في هذه الأرضية بأن التراكيب الهندسية هي غاية في الإبداع وتدخل في فن المنمنات، ومن بين المشاهد الجميلة التي تضمها اللوحة مشاهد لآنية ومن حولها طيور من نوع الببغاء والحجل، فهناك مشهدان نلاحظ فيهما عمود وفوقه إناء يدور حوله أربع حجلات، وهناك مشهد آخر لطير الببغاء يأكل شيء ما ضمن إناء، ومن الملفت في هذه اللوحة أيضاً وجود "الأنفورة" ضمن نسيج اللوحة وهي كما هو معروف رمز لنبع الحياة، وتضم تمثيل لعنصر "المفروكة" أو الصليب المعقوف الذي يرمز بحركته إلى الموت والبعث، فعندما يدور مع عقارب الساعة يكون بذلك رمز شمسي يرمز لبعث السيد المسيح، وعندما يدور بعكس عقارب الساعة يكون رمز قمري ويرمز للموت، ولعل ما يميز هذه اللوحة وجود ورقة "اللبلاب" في عدد من الدوائر، وورقة "اللبلاب" هو عنصر تجاوز العهد الروماني إلى العهد البيزنطي وهذه الورقة لها رمزية هامة جداً فهي ترمز للخلود، لذلك نلاحظ أنها نقشت على مداخل بعض المدافن وهذا الورق كان يستخدم في الحفلات الجنائزية في العهد الروماني، ويلاحظ أن الفنان قام باستخدام الإسقاطات الرمزية والتحوير لبعض أشكال النباتات بما يخدم الموضوع وقد وفق الفنان باختيار الألوان للكعوب بحيث أعطت انسجاماً وتنسيقاً رائعاً».

المرحوم "كامل شحادة" مدير متحف "المعرة" سابقاً يعتقد بأن "دير سمعان العتيق النقيري" يقع في المكان المدعو الآن "حير الشيخ" في قرية "دير شرقي" في الجانب الغربي منها، وهو عبارة عن مكان شبه مربع تقريباً أبعاده من الشمال إلى الجنوب 80 متر ومن الشرق إلى الغرب 95 متر، ومبني من أحجار كبيرة الحجم طول الحجر الواحد يزيد عن متر ونصف المتر ولا تزال الأحجار باقية في اغلب النقاط

وحول تاريخ الدير المبني في قرية "دير الشرقي" وتعدد تسمياتها يقول المؤرخ "فايز قوصرة": «إن بقايا الدير الذي بناه آغابتيوس ما تزال باقية حتى اليوم على شكل بقايا معمارية عبارة عن قبة تقوم على أعمدة بجانب ضريح الخليفة "عمر بن عبد العزيز" حالياً، وإن الاسم الأصلي للقرية هو "النقيرة" وهي تسمية سريانية قديمة أصلها "نقيرتا" وتعني المدفن أو المسكن الكبير المنقور في الصخر ويعرف باليونانية "نيكرتاي"، وبين القرنين الخامس والسادس الميلاديين قام رجل اسمه "آغابتيوس" ببناء دير في قرية "النقيرة" فنسبت القرية للدير وأصبحت تعرف باسم "دير النقيرة"، وظل هذا الاسم سائداً حتى جاء الراهب "سمعان" (وهو غير الراهب سمعان العمودي) وهو الراهب الذي التقاه الخليفة "عمر بن عبد العزيز" وسكن هذا الدير فسمي الدير باسمه وأصبحت القرية تعرف باسم "دير سمعان"، وحديثا تسمى القرية "دير شرقي" تمييزا لها عن قرية "دير غربي" التي تقع إلى الغرب منها، إذ أن سبب تعدد تسميات بعض المواقع يكون بحسب الواقع الجغرافي أو الطبوغرافي أو تنسب لشخص ما أو حادثة وقعت أو جماعة استوطنت فيها».

مشهد من لوحة فسيفساء الدير الشرقي

ويذكر الأستاذ "عبد الحميد مشلح" بأن: «المرحوم "كامل شحادة" مدير متحف "المعرة" سابقاً يعتقد بأن "دير سمعان العتيق النقيري" يقع في المكان المدعو الآن "حير الشيخ" في قرية "دير شرقي" في الجانب الغربي منها، وهو عبارة عن مكان شبه مربع تقريباً أبعاده من الشمال إلى الجنوب 80 متر ومن الشرق إلى الغرب 95 متر، ومبني من أحجار كبيرة الحجم طول الحجر الواحد يزيد عن متر ونصف المتر ولا تزال الأحجار باقية في اغلب النقاط».

عنصر المفروكة أو الصليب المعقوف
جانب من الأرضية