يجول "نهر الحصين" بين عشرات قرى وبلدات الساحل السوري قبل أن يغيب في المتوسط، له حكاية مختلفة في كل قرية يزورها، لذا تعددت اسماؤه فهو "الحصين، والملتقى، وقيس وليلى، والفندارة، وعورو، ورأس النبع، والديرون،..".
يولد "نهر الحصين" من مئات الينابيع ويلتقي مع عشرات الروافد أثناء رحلته الطويلة التي تبدأ من محافظة "حماة" ولمسافة تصل إلى /35/ كم، قبل أن يودع الحياة شمال طرطوس بـ/3/ كم.
لقد تغير وضع النهر في أيامنا هذه عن السنين السابقة، فقد فوجئنا بجفافه صيفا في بعض المواقع من منطقة "وادي العيون" في أربع السنين الأخيرة، هذا عدا زيادة تلوث النهر
"eSyria" جال على ضفاف نهر "الحصين" بتاريخ "1/5/2011" خاصة أن النهر يعد بحد ذاته مقصداً لكثير من العائلات للتمتع بجمال مجراه، والتقى السيد "أنيس إدريس" من قرية "نقيّر" التابعة لمدينة "مصياف" والذي قال:
«لنهر الحصين مكانة عند كثير من أهالي محافظة طرطوس، فهو قطعاً يحتفظ لنفسه بمئات الذكريات في قلوبهم، وهو صديقهم في طفولتهم.
أما إذا أحببنا التعرف عليه فهو يبدأ بالتشكل من عدة ينابيع صغيرة تبدأ من قرية "السنديانة" في مدينة "مصياف" مثل ينابيع "عين البيضة، عين السعد، عين المعيصرة، عين القط،.." وفي قرية "نقيّر" من ينابيع "عين الزيرة، عين عباس، عين نقيّر، عين الباردة،..".
وهنا يكون النهر قد تشكل لكنه ضعيف الغزارة إلى أن يصل إلى منطقة "وادي العيون" التابعة أيضا لمدينة "مصياف"، حيث يغذيه النبع الرئيسي والأقوى وهو نبع "رأس النبع" مع مئات الينابيع الصغيرة في هذه المنطقة.
وبعد "وادي العيون" يكون النهر قد اجتاز محافظة "حماة" ودخل قرية "الديرون" التابعة لمدينة "الشيخ بدر" في محافظة "طرطوس"، وحتى هذه المنطقة يكون النهر قد حصل على ثلث مياهه».
وللتعرف على ما بقي من مسار النهر التقينا السيد "نجد فرحة" من قرية "بيلة" وهو من المزارعين القدماء الذين سكنوا بجانب النهر حيث قال: «من منطقة الديرون حتى قرية "العوينية" يلتقي النهر عدد كبير من الينابيع خاصة في منطقة "ينابيع الديرون، وينابيع الجكرة".
وبالقرب من قرية "العوينية" يلتقي بنهر "قيس" الذي يعتبر امتدادا لنهر "الدريكيش" ليشكلا نهرا كبيرا يسمى نهر "عورو" ثم نهر "الحصين"، والذي يلازمه حتى مصبه في شمال "مرفأ طرطوس" بـ/3/ كم في منطقة ينابيع "أبو نوح" التي تشكل نقطة التقاء النهر مع البحر».
وعن طبيعة هذا النهر يقول السيد "أنيس إدريس": «يتميز نهر "وادي العيون" كما نسميه بغزارته خاصة في فصل الشتاء بسبب كثرة الروافد التي تصب فيه، وفي فصل الصيف يستمر النهر بجريانه بغزارة جيدة تسمح للناس باستعماله في العديد من النشاطات "سقاية، سباحة،.."، وتتميز أرضية النهر وخاصة في منطقة "وادي العيون" بأنها صخرية صلبة في معظمها ومنحدرة بقوة باتجاه المصب».
ويكمل السيد "أنيس" بالقول: «لقد تغير وضع النهر في أيامنا هذه عن السنين السابقة، فقد فوجئنا بجفافه صيفا في بعض المواقع من منطقة "وادي العيون" في أربع السنين الأخيرة، هذا عدا زيادة تلوث النهر».
أما السيد "نجد فرحة" فيقول عن طبيعة النهر في نصفه الأخير: «يتصف نهر "الحصين" بأنه دائم الجريان وفي العشرين سنة الأخيرة بدأ يجف بعد قرية "عورو" بسبب عدم وجود ينابيع بعد هذه المنطقة حيث نكون قد أصبحنا على بعد يقارب /8/ كم من مصبه، في حين تستثنى مسافة /400/ متر من نهايته حيث توجد ينابيع "أبو نوح" والتي تبقي النهر ممتلئا في فصل الصيف وتؤمن مياه السقي للمزارعين.
وفي كل المناطق التي ذكرتها يتفاوت النهر بين الانحدار والاستواء في جريانه مع الطبيعة الصخرية الغالبة على أرض النهر، مع العلم بأن سريرالنهر- عرضه- يتسع في الـ/5/ كم الأخيرة ليبلغ 15م في بعض المناطق في حين يتراوح بين /4-10/ أمتار في معظم مناطق النهر الأخرى حتى المنبع، أما العمق فيختلف بشكل كبير بين صيف وشتاء وضيق واتساع».
وفي جانب التفاعل البشري مع هذا النهر واستخداماته عبر الزمن يقول السيد "نجد": «ينقسم استخدام الناس للنهر الى عدة جوانب أولها استخدامه لسقاية المزروعات المنتشرة حوله والتي تتنوع بين "الحمضيات، والخضراوات والبقوليات".
ويمكن ملاحظة هذا الجانب بقوة من خلال الأراضي الزراعية المحيطة بالنهر من منبعه حتى مصبه، وثاني جانب يتمثل في استخدام النهر كمصدر لكسب الرزق من خلال صيد الأسماك وغيرها من أحياء النهر وبيعها.
ومع أن هذا الجانب تضاءل الآن إلاّ أنه ظهر بوضوح في فترات سابقة خاصة أيام الفقر زمن الاحتلال الفرنسي حيث كنا نصطاد الأسماك الموجودة بكثرة أيامها والتي انقرضت تقريبا أيامنا هذه من النهر بسبب الصيد الجائر وجفاف النهر صيفا.
أما ثالث جوانب الأهمية لهذا النهر فهو الجذب السياحي الذي يزداد مع الأيام من خلال قدوم الناس حتى من خارج سورية لزيارة أماكن الاصطياف المحيطة بالنهر، ومن أشهرها مصايف "وادي العيون، الديرون" وينابيع "الجكرة وأبو نوح" للسكان المحليين».
في حين يقول الشاب "حامد خليل" وهو من سكان مدينة "طرطوس": «في الصيف أذهب مع أصدقائي أو برفقة العائلة للسباحة في نهر "الحصين" حيث تتاح لنا فرصة التمتع بمناظره الخلابة والجلوس بجانب النهر إما بمفردنا وبما لدينا من أدوات نجلبها معنا، أو بالجلوس في أحد المطاعم الشعبية المحيطة بالنهر وخاصة في منطقة "عورو ونبع الجكرة" حيث الأسعار الشعبية والتي تناسب جميع الناس، وقد اعتاد الناس في السنوات العشر الأخيرة ارتياد مناطق النهر المختلفة للتمتع بجماله وبرودته في الصيف الحار».
