لا عجب أن يتخذ التاريخ منها خليلةً من بين كل الأماكن، وهي التي تغري بسحرها وما خصّها الله من جمال في الطبيعة، واتخذتها الحضارة موطناً ردحاً من الزمن، ثم جعل منها محطة تلقي برحالها فيها كل حين، نصيبها من التاريخ لا يقل عن 6 آلاف عام من القدم، وحقبة كاملة من التاريخ تُسمى باسم تلها المعروف "تل حلف"، وتراوحت خلالها أهميتها بين أن كانت عاصمة تحكم العالم، وبين محطة مهمة القادة العسكريين وللقوافل.
موقع eHsakeh سبر أغوار التاريخ من خلال ما يتناقله الباحثون والمثقفون وسكان المدينة، عن أهم ما عرف حتى الآن عن تاريخ المدينة، والتقى بداية السيد "عبد الرحمن محمد" 83 عاما من سكان مدينة "رأس العين" قضى عدة أعوام من حياته يعمل مع البعثات الأثرية التي عملت في التنقيب في "تل حلف" و"تل الفخيرية" حيث أخبرنا قائلاً: «أنا اسكن منطقة "رأس العين" منذ ولدت وقد عملت مع البعثة الألمانية التي كانت تقوم بالتنقيب في تل حلف لعدة سنوات، ولطالما كانوا يقولون: أذهلتنا المنطقة بغناها بالموقع الأثرية، وأحياناً كنا نقوم معهم بجولات في التلال الأثرية المنتشرة على ضفاف الخابور القريبة من "رأس العين" فيقولون: إن كل بقعة هنا تخبئ تحتها الكثير من الأسرار، وإنها كنوز حقيقية سيُكشف عنها مستقبلاً».
أنا اسكن منطقة "رأس العين" منذ ولدت وقد عملت مع البعثة الألمانية التي كانت تقوم بالتنقيب في تل حلف لعدة سنوات، ولطالما كانوا يقولون: أذهلتنا المنطقة بغناها بالموقع الأثرية، وأحياناً كنا نقوم معهم بجولات في التلال الأثرية المنتشرة على ضفاف الخابور القريبة من "رأس العين" فيقولون: إن كل بقعة هنا تخبئ تحتها الكثير من الأسرار، وإنها كنوز حقيقية سيُكشف عنها مستقبلاً
الباحث "خلف جمال شرّو" حدثنا عن أهم الحضارات التي تعاقبت على "رأس العين": «"رأس العين" و"تل حلف" و"تل الفخيرية"، هذه المواقع الثلاثة حالياً هي مواقع متصلة ببعضها ضمن دائرة لا يتجاوز قطرها 2 كم، ضمن حدود مدينة "رأس العين" وهذه المواقع الأثرية لم يتم التنقيب فيها الا مع بداية القرن العشرين، وأول من غامر بهذه المهمة العالم الألماني "ماكس فون أوبنهايم"، أقدم مظهر حضاري يصادفنا هو ما باحت به المكتشفات الأثرية في "تل حلف"، فقد دلت على وجود شعب عُرف باسم "الشعب السوباري" وهم من الشعوب الآرية "الهندو اوروبية" جاوروا "السومريين" وأسسوا دولة واسعة الأطراف، وكانت عاصمة الدولة التي شكلها "الشعب السوباري" هي "تل حلف"، ويعود ذلك إلى حوالي الألف الخامس ق.م، والآثار المكتشفة في تل حلف دليل واضح على حضارة "سوبارتو" ذات الخصائص المستقلة، واستمرت حضارة "تل حلف" زاهرة لقرون طويلة حتى بدأت تذوب شيئاً فشيئاً لتختفي وتفقد أهميتها ثم تعاود النهوض من جديد في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، حيث شكلت دولة في الجزيرة امتد نفوذها وسلطانها إلى الأقطار المجاورة، وهي الدولة "الهورية – الميتانية" التي اتخذت من "رأس العين" عاصمة لهم وسموها "واشوكاني"، الاسم الذي لا يزال يُطلق على المدينة محلياً، يُعتقد أنها تقع في الطبقة العميقة من "تل الفخيرية"، وتضاعفت قوة هذا الدولة شيئاً فشيئاً حتى بسطت نفوذها على كامل منطقة الشرق، وبعد أن ضعف حكم "الميتانيين" تمكن ملك آرامي يدعى (كابارا) أن يبني دولة جديدة على أنقاض دولة "الميتانيين" وجعل من "تل حلف" عاصمة له سميت "غوزانا"، إلا أن هذه المملكة الآرامية لم تعمّر طويلاً فقد قضت عليها "الدولة الآشورية" وبقيت المدينة تحت سلطتهم حتى تمكن "الميديون" الذين يعتقد الباحثون أنهم أحفاد "الميتانيين" من استرجاعها أثناء توسعهم نحو الغرب، ومن بعدهم "الساسانيون" وقد ظهرت جدران عليها تزيينات "ساسانية" بين الآثار التي كشف عنها التنقيب، وظلت هكذا حتى غزاها "الروم" عام 943م ونهبوها واستاقوا منها عدداً كبيراً من الأسرى، واحتلوها وأصبحت "رأس العين" تحتل مكاناً مرموقاً على الحدود البيزنطية وعلا شأن "رأس العين" مرة أخرى حتى أضحت كأنها مملكة لها شخصية اعتبارية داخل الإمبراطورية الرومانية، واشتهرت "رأس العين" آنذاك بمعابدها وأديرتها، وقد برز من علمائها ومفكريها الفيلسوف "سرجيوس الرأس عيني" وهو أول من ترجم الكتب الفلسفية والطبية من اليونانية إلى اللغة السريانية في القرن السادس الميلادي، وسميت رأس العين حينها "رش عينو".
ويضيف "شرّو": «ثم جاء الفتح الإسلامي بقيادة "عياض بن غنم" عام 17 هـ واستطاع فتح بلدان الجزيرة بكاملها إلا "رأس العين" استعصت على الفتح، وهناك بعض المصادر الإسلامية تذهب إلى أن "خالد بن الوليد" وقع فيها أسيراً إلى أن تم فتحها بعد عام على يد "عمير بن سعد"، وظلت محافظة على أهميتها وفاعليتها كمركز تجاري كبير ومحطة للقوافل بين أرجاء الإمبراطورية الإسلامية، وتذكر بعض المصادر أن الخليفة المتوكل وغيره من الخلفاء اتخذوا منها مصيفاً وأن عملة عباسية ضُربت في "رأس العين"، وفي عام 1129 استولى عليها "الصليبيون" ولم يمكثوا فيها طويلاً وكانت الكارثة وأطلق على المدينة بعد ذلك عدة أسماء مثل: "قطف الزهور" "عين وردة" "رأس العين"، كما أتخذ منها السلطان "صلاح الدين الأيوبي" مركزاً للاستراحة أثناء فتحة للجزيرة وشمال العراق وحلب، لكن المصيبة الكبرى التي حلت بالجزيرة ومن ضمنها "رأس العين" عندما تعرضت لغزوات "المغول" وحاصر "تيمورلنك" مدينة "ماردين" المنيعة التي استعصت عليه فصب غضبه على السهل وأطلق في ربوعها الخراب، وهكذا بعد غزوات المغول ومجيء "العثمانيين" خيم ظلام دامس على المنطقة لم تفق منه إلا بعد إشراق شمس الحرية في القرن العشرين، وتحدث "الإدريسي" في كتابه نزهة المشتاق عن "رأس العين" قائلاً: "رأس العين" مدينة كبيرة فيها مياه نحو من ثلاثمئة عين عليها شباك حديد تحفظ ما يسقط فيها، ومن هذه المياه ينشأ معظم نهر الخابور الذي يصب في قرية البصيرة، أما "ياقوت الحموي" في كتابه "معجم البلدان" فقد قال: هي مدينة مشهورة من "مدن الجزيرة" بين "حران" و"نصيبين"، وفي "رأس العين" عيون كثيرة عجيبة صافية وتجتمع كلها في موضع فتشكل نهر "الخابور"».
الأستاذ "حسين زيدو" تحدث عن الأهمية الحضارية لـ"رأس العين" قائلاً: «"رأس العين" هي بالفعل جنة من جنان الأرض في الجزيرة السورية، فهي تجمع بين الطبيعة الخلابة والأرض الزراعية الخصبة ووفرة المياه والموقع الاستراتيجي الذي كان يربط بين بلاد الرافدين والبحر المتوسط، لذلك كانت من أوائل مواطن الحضارة بعد الثورة الزراعية، مواقعها الثلاثة التي تعرف اليوم باسم "رأس العين– تل حلف– تل الفخيرية" تختزن تاريخ المنطقة وذاكرة العصور لدهور تزيد على ستة آلاف عام، وأحد أهم المراكز الحضارية في بلاد ما بين النهرين عبر العصور، تبوأت مكانة مرموقة عبر التاريخ ويكاد كل موطئ قدم يحكي قصة من تاريخ المنطقة، ولأهميتها وطغيان حضارتها خلال الفترة بين حوالي 3000ق.م وحتى حوالي 2000ق.م يطلق الباحثون على تلك الفترة اسم "حقبة تل حلف" وهي الفترة التي بلغت الحضارة في "تل حلف" أوجها وكانت المركز الذي يحكم "الشرق الأوسط" والعالم».
