ما يزيد على 300 مبنى أثري تنوعت في وظائفها بين المساجد والقصور والخانات والقيساريات وغيرها من المباني، كانت تلك من أهم الآثار المعمارية للحقبة العثمانية في "حلب".

ومع التنوع الوظيفي لتلك المباني كان لها خصوصيتها المعمارية التي ميزتها عن غيرها من المباني كالمملوكية والسلجوقية وغيرها. ولتتنشر معظم هذه المباني في الوسط التجاري للمدينة ايذانا بتوسع عمراني شهدته المدينة في تلك الحقبة.

شهدت مدينة "حلب" نهضة عمرانية واسعة خلال العصر العثماني، فقد اهتم جميع السلاطين والولاة بتلك المدينة، وانتشر العديد من المباني العثمانية المهمة من مساجد وخانات وحمامات وقصور وأسواق وغيره من المباني الأخرى، ضمن النسيج العمراني لمدينة "حلب" القديمة، وأخذت عمارة المساجد بمدينة "حلب" شكلاً جديداً في العصر العثماني، وطرازاً معمارياً بعيداً كل البعد عن الطراز المعماري المحلي الذي كان سائداً في عمارة المساجد بمدينة "حلب"، فقد ظهر المسقط الأفقي المربع للقبلية، وتعلوه قبـة مركزية كبيرة لتغطية قاعة الصلاة، وانعدمت الأعمدة التي كانت منتشرة في القبلية، أما المئذنة فأخذت شكلاً مؤلفاً من 16 ضلعاً، ومن الناحية الإنشائية ظهرت الدعامات الحجرية لأعناق القبب وذلك لحمايتها من التصدع أو الانهيار. وانطلق هذا الطراز العثماني من العاصمة "إسطنبول" إلى مدينة "حلب"، إحدى أهم ولايات الدولة العثمانية، مع الاختلاف الكلّي من ناحية حجم هذه الأشكال الفراغية، لتكون أصغر حجماً وأشد بساطة من حيث الزخارف والتزيينات، إذا ما قورنت بتلك المساجد الضخمة المنتشرة في مدينة "إسطنبول"

وللحديث أكثر عن العمارة العثمانية، ميزاتها، وأهم معالمها وركائزها المعمارية، التقينا في موقع eAleppo المهندس المعماري "محمود زين العابدين" رئيس مركز "شادروان" للتراث العمراني، والمتخصص في العمارة العثمانية. وكان الحوار الذي بدأناه بالحديث عن السمات التي تميز العمارة العثمانية من غيرها من الفترات التي سبقتها، وهل من ميزات أو مرتكزات للعمارة العثمانية في "حلب" عن سواها في مدن أخرى؟ فقال المهندس "زين العابدين": «شهدت مدينة "حلب" نهضة عمرانية واسعة خلال العصر العثماني، فقد اهتم جميع السلاطين والولاة بتلك المدينة، وانتشر العديد من المباني العثمانية المهمة من مساجد وخانات وحمامات وقصور وأسواق وغيره من المباني الأخرى، ضمن النسيج العمراني لمدينة "حلب" القديمة، وأخذت عمارة المساجد بمدينة "حلب" شكلاً جديداً في العصر العثماني، وطرازاً معمارياً بعيداً كل البعد عن الطراز المعماري المحلي الذي كان سائداً في عمارة المساجد بمدينة "حلب"، فقد ظهر المسقط الأفقي المربع للقبلية، وتعلوه قبـة مركزية كبيرة لتغطية قاعة الصلاة، وانعدمت الأعمدة التي كانت منتشرة في القبلية، أما المئذنة فأخذت شكلاً مؤلفاً من 16 ضلعاً، ومن الناحية الإنشائية ظهرت الدعامات الحجرية لأعناق القبب وذلك لحمايتها من التصدع أو الانهيار. وانطلق هذا الطراز العثماني من العاصمة "إسطنبول" إلى مدينة "حلب"، إحدى أهم ولايات الدولة العثمانية، مع الاختلاف الكلّي من ناحية حجم هذه الأشكال الفراغية، لتكون أصغر حجماً وأشد بساطة من حيث الزخارف والتزيينات، إذا ما قورنت بتلك المساجد الضخمة المنتشرة في مدينة "إسطنبول"».

المهندس محمود زين العابدين

  • لابد في أي تجربة معمارية ان يكون لها نماذج مميزة تستطيع أن تعبر عن الفترة التي بنيت بها، فماذا عن أهم النماذج المعمارية العثمانية في "حلب"؟ وما الذي امتازت به؟
  • ** ينتشر في مدينة "حلب" الكثير من المباني العثمانية والتي تجاوز عددها 300 أثر تقريباً، وتتباين وظائفها بين مبان دينية كالمساجد والمدارس ودور المتصوفة ويبلغ عددها 118 أثرا. وهناك مبان دينية تعود إلى ما قبل العصر العثماني ولكن جرى الحفاظ عليها وترميمها أو إجراء بعض الإضافات عليها في العصر العثماني، ومن أهم تلك النماذج الجامع الأموي. وهناك مبان حكومية وعسكرية وخدمية كالخانات والحمامات والسبلان والقساطل والمصابن والمخافر، وأخيراً الدور السكنية.

    الخسروية

    أما عن أهم تلك النماذج فهناك التكايا مثل التكية "الخسروية" التي تعدّ أول تكية تحمل الطراز العثماني الذي تحدثنا عنه قبل قليل من حيث المسقط الأفقي المربع الشكل والمآذن المتعددة الأضلاع. وهناك المدارس كالمدرسة العثمانية والمدرسة الأحمدية وغيرها من المدارس الأخرى. أما الخانات وانطلاقاً من أهمية مدينة "حلب" لكونها من أهم المحطات الواقعة على طريق الحرير، فنجد انتشار المباني التجارية ونقصد بها الخانات والقيساريات والأسواق. ويوجد في مدينة "حلب" 68 خانا تعود إلى العصر العثماني، وهناك خانات أخرى تعود إلى عصور سابقة، حملت جميعها شكلاً واحداً، ألا وهو الانطوائية نحو الداخل ووجود فناء واسع لعرض السلع. أما بالنسبة للدور السكنية فكانت في العصر العثماني امتداداً للعصور السابقة بوجود صحن البيت وانطوائيتها نحو الداخل، وتوزع غرفها ضمن قسمي السلاملك والحرملك، إضافة إلى وجود القبو، وقسم الخدملك في البيوت الكبيرة. مع وجود الإيوان وبركة الماء التي تتوسط معظم البيوت التقليدية، وانتشار الأشجار والنباتات التزينية كالياسمين والورد والزنبق.

  • ما المناطق التي انتشرت فيها العمارة العثمانية في "حلب" وعلى ماذا اعتمد هذا الانتشار؟
  • المدرسة العثمانية

    ** انتشرت معظم المباني العثمانية في مركز المدينة (الوسط التجاري للمدينة)، فقد شهدت منطقة المدينة توسعاً عمرانياً واضحاً في العهد العثماني. إذ كانت "حلب" تحتل مساحة 238 هكتاراً في عام 1516م، ثم غدت 367 هكتاراً في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، أي بلغت نسبة النمو مقدار 50%. أما من ناحية السكان فيقدر عدد سكان "حلب" بـ 120,000 نسمة في سنة 1790م، بعد أن كانت 60,000 نسمة في سنة 1570م.

    وما يؤكد صحة تلك الأدلة ما نعرفه عن البنية التجارية لتلك المدينة وخاصة خاناتها، وكان للوقف العثماني دور رئيسي في ازدياد عدد من المشروعات المعمارية، حيث نفذ معظمها من قبل الولاة المتعاقبين على مدينة "حلب"، مثل "خسرو باشا" و"بهرام باشا" و"دوقاكيين زادة" وغيرهم من الولاة التي حملت الأوقاف التي أمروا بتشييدها أسماءهم.

    نَجَمَ عن تلك الأعمال أن تضاعفت مساحة (المدينة) وتوسعت- على أسس تنظيمية- إلى الجنوب من الخط الرئيس للأسواق. وكان لهذا النمو العمراني مظهر منهجي في المخطط التنظيمي العام للمدينة، ولعله من أسباب ذلك الطابع المنتظم للشوارع في وسط مدينة "حلب". بعدئذ نقل بناة المنشآت الوقفية خلال بحثهم عن مساحات فارغة مراكز مشاريعهم نحو الغرب، وكان كل مشروع وقفي جديد يبدأ عند الحد الغربي للمشروع الذي سبقه وهكذا نشأ تعاقب منطقي في التوسع العمراني نحو الغرب بغير تخطيط مسبق.

  • ماذا تحدثنا عن المرتكزات المعمارية العثمانية التي ارتبطت بفترات سابقة، وماذا اضاف هذا الترابط للحركة المعمارية بحلب؟
  • ** مما شك فيه أن العمارة العثمانية قد حملت طرازاً خاصاً بها، ونجد هذا الأسلوب وبشكل واضح في عمارة المساجد، بينما ظلت أشكال المباني الخدمية والسكنية محافظة على طرازها الأساسي قبل العصر العثماني، وأهم ما تميزت عمارة مساجدها المسقط الأفقي المربع للقبلية، والمسقوف بقبـة مركزية كبيرة لتغطية قاعة الصلاة، وانعدام الأعمدة التي كانت منتشرة في القبلية، وكان هذا الطراز موجود في عمارة المساجد أما المئذنة فأخذت شكلاً مؤلفاً من 16 ضلعاً، بل نجد حتى في العمارة الدينية مؤثرات محلية موجودة في العمارة العثمانية، نجدها في طريقة تسقيف الرواق بمدرسة "الخسروية" بطريقة القبو المتقاطع، وهي طريقة محلية. وفي محراب جامع "البهرمية" البعيد كل البعد عن التأثير العثماني، لأنه أشبه بالأشكال التي استخدمت في العهد الأيوبي (محراب مدرسة الفردوس).

    ونظراً لضيق مساحة القبلية فقد أخذ المحفل مكاناً جانبياً داخل القبلية عن يمين المدخل، لكي لا يشغل مساحة من القبلية، كما هو الحال عليه في المساجد العثمانية في "تركيا"، وظهر على شكل سدة بأعمدة (ظهر في الخسروية والعادلية فقط)، وظهر فن الخزف باستخدام بلاطات السيراميك وبشكل متواضع إذا ما قورن بالمساجد العثمانية في "تركيا"، لكنها تحمل رسومات وأشكال عثمانية. مع ظهور المقرنصات أيضاً.

  • إلى أي عام يعود أقدم بناء عثماني في "حلب"، وماذا يختلف عن آخر نموذج بني في "حلب؟.
  • ** خضعت "سورية" للحكم العثماني بدخول السلطان "سليم الأول" سورية عام 1516م. ليكون هذا التاريخ نهاية الحكم المملوكي وبداية العهد العثماني، بعد أن انتصر السلطان "سليم" على السلطان المملوكي "قانصو الغوري" في 25 رجب 922 هـ/ 24 آب 1516م، عندما تقابل الجيش العثماني والمملوكي على بعد أربعة فراسخ من "حلب" في موضع حمل اسم "مرج دابق". وامتدت فترة حكمهم إلى أربعة قرون، ويعدّ القرن السادس عشر للميلاد من أهم العصور التي شهدت فيها مدينة "حلب" الكثير من المباني العثمانية المهمة، وكان أولها "وقف خشرو باشا" والذي أسس بين عامي (1536-1544م) وجامعه يقع في أقصى الجهة الشرقية من "المدينة" بالقرب من مدخل قلعة "حلب"، ولم يبق من مؤسسات ومباني هذا الوقف الكبير سوى الجامع وملحقاته وخان الشونة.

    ومنذ أواخر القرن السادس عشر نشأت لـ "حلب" علاقات تجارية مهمة مع "فرنسا" و"إنكلترا" و"هولندا". ومن هنا انتقلت إليها أنماط العمارة الأوربية، وتزيينات الباروك التي لا تزال تشاهد في كثير من مبانيها على الأبواب والنوافذ والسقوف. وتطورت العمارة العثمانية في تلك المرحلة لتأخذ شكلاً جديداً وخاصة في عمارة البيوت التي بدأت تظهر في الأحياء الموجودة خارج سور المدينة مثل حي "الجميلية" وحي "الإسماعيلية"، فاختفى الفناء الداخلي وأصبحت واجهات البيوت مطلة على الخارج، وتسمى هذه الفترة "العثماني المتأخر"، وتمتد من القرن التاسع عشر للميلاد وحتى بداية القرن العشرين.

    لتظل هذه المباني الأثرية شاهداً على فترة في غاية الأهمية شهدتها مدينة "حلب"، ولتضع على عاتقنا جميعاً مسؤولية الحفاظ عليها، وترميم البعض منها بأساليب وأسس علمية، والقيام بإعادة تأهيل وتوظيف البعض الآخر بوظائف ثقافية مناسبة، بهدف الحفاظ عليها ولتظل نابضة بالحياة كما كانت عليه في السابق.

    إذاً هي ميزات معمارية ترصد لنا تراثا معماريا يؤصل لتلك الفترة من تاريخ مدينة "حلب"، والتي لاتزال تحتفظ بالعديد من النماذج المعمارية للفترات والحقب المتلاحقة والتي تنم عن تاريخ عريق لهذه المدينة التي لاتزال شاهقة كقلعتها.