أجواد العرب كثيرون على مرّ الزمان، وفي كل مكان وفيهم على سبيل الاستهداء بذكره الشيخ المرحوم "صالح الموسى"، فهو من أجواد وادي الفرات ووجه قبلي معروف بكرمه وعطائه وحلمه ومحبته للناس وعطفه على الفقراء والمحتاجين، وهو شيخ عشيرة "البوليل" والابن الأكبر للشيخ "موسى أبو الهيال"..

eSyria التقى ولده الأكبر العارفة "فرهود صالح الموسى الهيال"، والذي حدثنا عن حياة والده ومناقبه حيث قال: «البوليل جزء من قبيلة العكيدات التي تألفت من عدة عشائر عربية أصيلة لدرء الخطر الذي يأتيهم من القبائل الأخرى، أما جذور عشيرة "البوليل" فهي من شمر من عبدة من الجعفر من العلي الذين ينحدرون من سلالة ضيغم، وأبو الهيال غني عن التعريف وقد ذاع صيته في البادية والحاضرة وأصبح مضرب مثل عند العرب وبهذا نجد أن الشيخ "صالح الموسى" تربى على مكارم الأخلاق في بيت عز وكرم وشرف ونخوة ومروءة، فورث عن أبيه مكارم الأخلاق من عطاء وسخاء وإيواء الفقراء والمساكين واليتامى وإطعام الجياع وإنصاف المظلوم».

"البـارحــة الـعـيـن بـاتــت ســهـيـــرة/ عــلى حــــرٍ غـــدى ولا يـعـــــــود/ قــلـبـي تحـمـّس مـثـل نار الســعيـرة/ وراح الطــرب مـنا يـاأبـو فرهــود/ ومـن عـقـبـكـم الـدلـة بـاتـت حـزيـنـة/ وغـاب القــمـر عـنـا والأيــام ســــود/ كلـطـت للضــيفـان مـن كــل بـريـرة/ ويـــوم الغــــلا أديتم المـجـــهـــود/ تـذبـح بـالغـنـم مـثـل ذيــب الجـريرة/ وفــوق اللـحـم السـمــن والـدهــن زود/ شيال الحمل الثجيل بالسنين العسيرة/ ومن دور عمير وعرار الدرب مجدود"

وأضاف قائلاً: «هو من مواليد 1903 وقد عاش محنة والده أبو الهيال وهو ابن أربعة عشر ربيعاً، وذلك عندما نزلت حملة عسكرية عثمانية بقيادة ضابط يدعى بالعامية "الشنّاق"، وذلك في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما طلب الحاكم العثماني من أبو الهيال أن يجمع له المال وشباب عشيرته حتى يتم سوقهم إلى جهات القتال، فرفض أبو الهيال مطلب الحاكم الذي هدّد أبو الهيال بالشنق إذا لم ينصع لمطالبه، وعندما رأى إصرار أبو الهيال عقد محكمة ميدانية وقرر إعدام أبو الهيال شنقاً حتى الموت فنصب المشنقة في ساحة البيت وقام العسكر العثمانيون ليقتادوا أبو الهيال فزجرهم ورفض أن يقوده أحد، ومشى وحده إلى المشنقة بخطا ثابتة وإيمان قوي محتسباً الله في محنته هذه، وقال كلمته المشهورة (حي الموت حيه) مما أذهل جلاديه، وإذا بهذا الابن البار"صالح الموسى" يبث الحماس بين أبناء عمومته وعشيرته لرفض الحكم الظالم وخلاص والده، عندها تسابق فتيان ورجال عشيرته وأنزلوا المشنقة وكان على رأسهم المرحوم البطل "رجب الموح"، وهددوا الحاكم بالقتل مع حملته إذا لم يعدل عن حكمه ما اضطره إلى التراجع عن مطالبه وحكمه فآثر السلامة لنفسه ولجنوده ورحل بلا عودة».

العرفة فرهود صالح الهيال

وعن مسؤولياته التي أوكلت إليه من قبل والده قال: «"صالح الموسى" يشاطر والده بكل مسؤولياته الاجتماعية والحياتية، ما جعل أبيه يعتمد عليه في كل الأمور، وفي حلّ مشاكل الناس وخلافاتهم، وكما هو معروف كان بيتهم في حاضرة "البوليل" مشرعاً لكل طارق ووافد ليلاً ونهاراً، وكانوا في نفس الوقت يبنون المسوبع في البادية لإيواء الجياع رجالاً ونساء وأطفالاً، و"المسوبع "من بيوت الشعر الكبيرة، وذروة كرمهم في سني الجوع عندما صادر العثمانيون أرزاق الناس، ولم يبقوا لهم ما يقتاتون به ما اضطر الناس إلى أكل الأعشاب وبعض الحيوانات الميتة التي لم يألف الناس أكلها في الحالات العادية، وكانوا يبعثون بعض الرجال للانتشار على الطرقات لإهداء المشردين إلى مضاربهم وكذلك يوقدون النار طوال الليل أمام بيت الشعر ليصل إليهم التائهين في ظلمة الليل.

قال أحد الشعراء يصف الحال التي يراها:

المهندس مطشر الهيال

"عيـالـك يابـو الـهيـال كلـهـم يذبـحـون/ وتـأمــر علـى الـذبـاح هــات الجـذايــب/ ومرت سنين الجوع مو قول اليقولون/ وصاحبهم يشكي الضيم من حر اللهايب/ وحتـى الحـديـد يكــل بيـد اليكــسرون/ يامــفـشـكــيــن الـروس والمــخ ذايـــب/ وديـوان أبو فـرهود يـالـلـي تـمثـلون/ وشــما قــلــت بــه يا صـاحبـي صـايــب/ حــدب الصـيـانـي بـه زلــم يـنـقـلـون/ تـــدرع بــها الجـهـال وشـــب وشـايــب"».

وعن أعماله الجليلة في السنوات الصعاب حدثنا عنها حفيده المهندس "مطشر فرهود الهيال" بقوله: «عندما طالب الشيخ "صالح" مدير معارف "دير الزور" بفتح مدرسة ابتدائية في قرية "البوليل" عام 1947، وحين اعتذر مدير المعارف بعدم الإمكانية لفتحها نتيجة لعدم توافر المدرسة ومستلزماتها قال له أنا أؤمن المكان والمستلزمات للمدرسة من مقاعد وسبورة وطاولة للمعلم وإقامة المعلم طوال السنة في مضافتي، فاشترى خمسة عشر مقعداً خشبياً وما يتطلبه افتتاح صف مدرسي على نفقته الخاصة وجهز الصف في منزل أخيه الحاج "سكر الهيال" وتم افتتاح المدرسة في ذلك العام وبعثت المعارف معلم اسمه "طوير الحسن"».

وتابع الأستاذ "مطشر" قائلاً: «قام كذلك في عام 1948 بالتبرع من أجل "فلسطين "بمئة ليرة ذهبية وثلاثة بواريد حربية لنصرة أهلنا ومقاومتهم في فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم، وله أعمال جليلة كثيرة فهو أول من اقترح منع التدخين والطعام في بيوت العزاء ما لاقى ترحيباً واسعاً في عشيرته وفي القرى المجاورة، وكان محبوباً محترماً في الوسط الشعبي والرسمي وله علاقات مودة واحترام متبادل مع أقرانه من شيوخ عشائر وادي الفرات وشيوخ عشائر البدو، وكذلك علاقات محبة واحترام مع وجهاء مدينة "دير الزور" رحمهم الله جميعاً، وتوفي رحمه الله عام 1989 وودع بموكب مهيب».

وقد رثاه عدة أشخاص بشعر يصف مناقبه وحالة الحزن والفراغ الكبير الذي تركه بعد وفاته، وهذ الأبيات للمرحوم "حسن العلي" حيث يقول: «"البـارحــة الـعـيـن بـاتــت ســهـيـــرة/ عــلى حــــرٍ غـــدى ولا يـعـــــــود/ قــلـبـي تحـمـّس مـثـل نار الســعيـرة/ وراح الطــرب مـنا يـاأبـو فرهــود/ ومـن عـقـبـكـم الـدلـة بـاتـت حـزيـنـة/ وغـاب القــمـر عـنـا والأيــام ســــود/ كلـطـت للضــيفـان مـن كــل بـريـرة/ ويـــوم الغــــلا أديتم المـجـــهـــود/ تـذبـح بـالغـنـم مـثـل ذيــب الجـريرة/ وفــوق اللـحـم السـمــن والـدهــن زود/ شيال الحمل الثجيل بالسنين العسيرة/ ومن دور عمير وعرار الدرب مجدود"».

وقال أيضاً المرحوم "أحمد السالم الدرويش" من قرية "موحسن" هذه الأبيات: «"يـادار رديـلـي جـوابــي وأنــا انـبــاج / ويـن أهـلـج يـادار أهل الفـضـيـلة / ويــن الـبــنـى مـبـنـاج بعــزٍ وعــلاج / وخـلاج من فـوق المبـاني طـويلة / ويـن الـلـي مـن دارج الهـون يحـماج / بكثر السخا وكثر العطا والفضـيلة / ويــن الـلـي مـن طايل الطـيب كـفـاج / وعـلـوم مـابـيـن القـبـايـل نـفـيــلـة / ويــن الـلـي لـو لـفـا الـضيـف مـنـباج / يـذبـح عـلى الضـيفـان دجٍ وحيـلة / ويــن الـلـي دعـــا الــنـاس تـعـــنــاج / ومـن ضـاع حـقه يبينه من جـبيـله / ويــن الـلـي بـربـعـة الـبـيـت زهـــاج / ومسـوبـعٍ يـبـنـاه بـراس الطـويـلـة / وإن قالوا أبـو الهـيال الصـيت يكـفـاج / بـفعـل وطـيـب والنـفـايـل هـويـلـة"».

الحاج "علي الجاسم " من قرية المريعية قال: «الشيخ "صالح الموسى" كان عارفة وقاضياً من قضاة العرب الذين يعتمدون على الذكاء والفطنة في فض الخلافات بين أفراد العشيرة والقبائل الأخرى، وكان يفرض العقوبات بحق المدانين في القضايا، ويساهم في فض الخلافات بين أفراد عشيرته ويعقد الصلح أو ما يسمى "الرضوة" في مضافته، وإذا كان هناك خلاف بين العشائر فإنه كان يساهم مع وجهاء عشائر الفرات بحل هذا الخلاف حيث يذهبون لحل المشاكل وتسمى هذه "المشية" أو "الجاهة" وقد يضطره الأمر للذهاب إلى محافظة أخرى إذا حصلت هناك أي مشكلة لأحد أفراد عشيرته فيسارع إلى حلها».