تعد الأختام الأسطوانية أحد المؤشرات الدالة على عراقة التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي اتسمت به الحضارات التي ازدهرت على ضفاف منطقة الفرات الأوسط، والتي أدت عوامل كثيرة إلى انتشارها وتطورها عبر الأزمنة.

eSyria التقى السيد "ماهر دهمش" أستاذ في كلية التاريخ جامعة الفرات، الذي عرف لنا في البداية الأختام الأسطوانية بقوله: «"الختم الأسطواني" هو عبارة عن قطعة أسطوانية على سطحها الخارجي يتم نقش أشكال ناتئة وغائرة، وحين يتم سحب هذا الختم على مادة لينة كالطين مثلاً فإن تلك الأشكال تنطبع على تلك المادة وتترك أثراً عليها، وكانت تلك الأختام مملوكة من قبل الرجال والنساء على حدٍّ سواء وتورث من جيل إلى جيل في العائلة الواحدة.

بالنسبة للمواد التي يصنع منها الختم فقد كان يصنع أول ظهوره وانتشاره من الحجارة الهشة كالحجارة "الكلسية" و"اللازورد"، ومن ثم بدأ يصنع من الحجارة القاسية "كالعقيق الأحمر" و"الكريستال الصخري"، وشاع في حضارة "ماري" استخدام حجر "الهيماتيت"

ويمكن القول إن الختم الأسطواني هو اختراع مشرقي وقد شاع استخدامه لأسباب اقتصادية وأسباب تجارية، وكان له عدة استعمالات فقد استخدمت على الألواح الطينية لتوثيقها بخاتم الشخص الذي كتبها، كما استخدمت لختم الجرار وذلك بوضع قطعة من القماش أو الجلد فوق فتحة الإناء ويتم تغطيتها بكتلة الطين وختمها بالختم الأسطواني، ووصول تلك الجرار دون كسر الطين المختوم معناه أن الجرة وصلت بأمان.

ختم أسطواني

ومما يدل على حالة التحضر التي وصلت إليها حضارات المنطقة، أنه في الحضارة التي قامت في موقع "تل الحريري" مثلاً كان يلجأ الشخص الذي يفقد ختمه الشخصي إلى إخطار الجهات الرسمية بذلك فتعمل على الإعلان عن هذا الأمر ما يؤدي إلى فقدان ذلك الختم لفعاليته».

وفيما يتعلق بالمواد التي تتم الاستعانة بها لصنع تلك الأختام، فقد التقينا الأستاذ الباحث الآثاري "يعرب العبد الله" الذي أفادنا بالقول: «بالنسبة للمواد التي يصنع منها الختم فقد كان يصنع أول ظهوره وانتشاره من الحجارة الهشة كالحجارة "الكلسية" و"اللازورد"، ومن ثم بدأ يصنع من الحجارة القاسية "كالعقيق الأحمر" و"الكريستال الصخري"، وشاع في حضارة "ماري" استخدام حجر "الهيماتيت"».

المهندس أمير حيو

أما عن الأشكال التي عثر عليها منقوشة على الأختام الأسطوانية فقد حدثنا عنها مضيفاً: «بينت الكشوفات الأثرية أن تلك الأشكال كانت تشمل مواضيع متعددة، ففي "ترقا" مثلا نقش على معظمها أشكال الآلهة التي كانت تُعبد في تلك الفترة وكُتبت على بعض الأختام عبارات تظهر ولاء الملك للإله لم تُكتشف فيها أختام كثيرة تصور الحيوانات.

أما في "ماري" فنجد الزخارف بأشكالها من زخارف نباتية وحيوانية بالإضافة إلى تصوير علاقة الإنسان ببعض الحيوانات الأليفة منها والمفترسة وتصوير بعض الطقوس الدينية».

الكشف عن ختم أسطواني أثناء التنقيب

وحول أهم الأختام الأسطوانية المكتشفة في "ترقا" فقد حدثنا عنها المدير السابق لمديرية الآثار والمتاحف في "دير الزور" الأستاذ "أمير حيو" فأفادنا بالقول: «أشهر تلك الأختام الختم ذو "الشكل 28" والذي تم اكتشافه في "ترقا" ويعود إلى الألف الثاني ق.م، وهو محفوظ حالياً في متحف "دير الزور" وهو ختم مصنوع من حجر "الهيماتيت" وقد نُحت عليه مشهد يمثل أربعة أشخاص أما في الجهة اليسرى من النقش فيوجد أحد الآلهة الحامية وفي اليمين ملك ظهر في وضـعية العبادة وشخص يرفع إشارة السلام، ويرتدي الأشخاص فيها تنورات طويلة مهدّبة من الأطراف، يظهر بين الملك والإله شخص صغير الحجم، وفي أعلى المشـهد قرص الشمس والهلال اللذين يشيران إلى إله الشمس.

أما الختم الثاني فهو الختم الاسطواني ذو الشكل 29، وقد اكتُشف هذا الختم في موسم التنقيب الثاني، وهو محفوظ حالياً في متحف "دير الزور" صُنع الختم من حجر بنّي ملمع، وهو مؤلف من ثلاثة أجزاء هي: المقبض الدائري في القمة، الجسم المخروطي، والقاعدة الدائرية التي عليها طبعة الختم، ولمقبض الختم شكل كرة مثقوبة أفقياً».