دون أي تاريخ مدون عن عمر سوق "القدموس" القديم، أو زمن إنشائه، كثرت الأحاديث المتناقلة عن الآباء والأجداد التي يتحدث بها أهالي ناحية "القدموس" الحاليون مشيرين إلى أن العمر الأساسي للسوق يقدر بحوالي /800/ عام خلت، حيث كانت الحاجة الماسة لتجمع القرى المحيطية ضمن الساحة وسط البلدة نابعة من أنها منطقة محورية لمرور قوافل طريق الحرير، ويجب الاستفادة منها.
السيد "رشيد صالح" /70/ عاما تحدث لموقع eSyria بتاريخ "3/1/2011" عما أسماه أقدم سوق في محافظة "طرطوس"، حيث قال: «"سوق القدموس القديم" الذي يمتد على طول /100/ متر والواقع ما بين جامع الإمام "حسن" أو جامع "القدموس" التاريخي وساحة البلدة القديمة، يعتبر أقدم سوق في محافظة "طرطوس" لأن عمره يزيد على /800/ عام، ولكن دون تاريخ مدون له بين الأيدي، حيث اعتمدنا في معلوماتنا على الأحاديث المتناقلة عبر الآباء والأجداد وتاريخ الجامع الأثري الذي يجمع بين أساساته السفلية بعض المحال التجارية».
زبائن المحلات هنا من غير القوافل التجارية كانت من ناحية "تعنيتا" وناحية "العنازة" وناحية "الشيخ بدر" والقرى المحيطة بها
ويتابع: «في البداية كان السوق عبارة عن طريق ترابي ضيق تمر عليه القوافل التجارية والتي كانوا يطلقون عليها اسم قوافل "طريق الحرير"، وهذه القوافل التي تقودها الجمال كانت تعبر المنطقة عبر طريق الحرير التجاري من الساحل إلى الداخل وباقي البلدان المجاورة وبالعكس.
وكانت منطقة "القدموس" حيث "السوق القديم" والساحة مركز استراحة تلك القوافل، وكان الأهالي يتجمعون بمرورها لتبادل السلع وشراء ما يحتاجونه في الذهاب والإياب، وهذا ما دفع بعض الأهالي الذين يملكون المال الكافي لبناء بعض المحال لشراء وتبادل السلع مع هذه القوافل، إضافة إلى تقديم بعض الخدمات لهم ولقوافل جمالهم عبر الإسطبلات، كإسطبل "دار الخان" في الساحة لآل "الياس"، وإسطبل "دار خان آل طه"».
السيد "علي أدهم الجندي" أحد التجار القدماء في السوق، يقول: «لقد ضم السوق حوالي /60/ محلا تجاريا مختلفة المهن والحرف والاستعمالات، فمنها "الخضرجي والحداد والقصاب والنجار والخباز والسمان وبائع الحبال المصنوعة من شعر الماعز"، وجميعها مهن متناقلة ومكتسبة من خلال العلاقات الاجتماعية.
وكانت المحلات متلاصقة مع بعضها بعضا، حيث يستطيع الشاب التنقل عليها بكل سهولة وصولاً إلى ساحة السوق أو ما يعرف سابقاً بالإسطبل، مكان استراحة جمال القوافل، وكانت جميعها مبنية من الحجر الصلب ولها نفس الأبواب الخشبية الكبيرة والعريضة التي صنعتها أيدي النجارين من عائلة الشيخ "حسين"».
وعن الزبائن يقول: «زبائن المحلات هنا من غير القوافل التجارية كانت من ناحية "تعنيتا" وناحية "العنازة" وناحية "الشيخ بدر" والقرى المحيطة بها».
المختار "أسعد عبد الله سليم" يقول: «في البداية كان السوق عبارة عن طريق ترابي ولكن بعد دخول الفرنسيين للمنطقة تم تجهيز الشارع على طول السوق بالأرصفة والحجارة المرصوفة على معبره الأرضي، وعمدوا خلال ذلك على اقتصاص أجزاء من بعض المحال المتاخمة للطريق الترابي، فأصبحت أصغر مساحة مقارنة مع مساحتها الأصلية، لتسهيل مرور آلياتهم وعرباتهم العسكرية».
ويضيف: «أما بالنسبة للسلع والمواد المتاجر بها فجميعها من منتجات القرى المحيطة بنا، كالبيض والحليب والخضار والفواكه والصابون والحبال وغيرها الكثير، حيث كانوا يحضرون ما هو فائض عنهم ليبادلوه بما يريدون الحصول عليه وما هم بحاجة له، لذلك كان اعتماد السوق هنا بشكل عام على مواسم المزارع، كموسم الدخان وموسم القمح وموسم الحرير، لتزويده بسلع ترغب بها القوافل والزبائن».
ويوضح لنا المختار أيضاً أسماء عائلات بعض التجار الذين تعاقبوا على السوق والذي يذكر منهم بحسب معلوماته المتناقلة أيضاً: «"آل عطفه، آل الدالي، آل حيدر، آل الصالح، آل الحداد، آل محمد، آل خنسا، آل المعمار، آل إدريس، آل قداح، آل شحادة، آل الكعدة، آل عزوز، آل حبيب، آل طه، آل الياس"».
وعن تعاملات السوق وكيف أصبحت يقول السيد "أيمن عزوز" صاحب أحد المحال التجارية الذي ورثه عن أبوه ومن قبله جده: «ما سأتحدث عنه هو حديث متناقل عن أجدادي الذين ورثت عنهم المحل التجاري، وهو أنهم كانوا يبيعون جميع بضائعهم على الموسم أي بالدين لحين قطاف المواسم، وعند نجاح الموسم يأتي المزارع ويدفع مستحقاته بكاملها، وعند عدم نجاحه يدفع ما يستطيع وما يبقى يؤجل لموسم قادم، وكان يوجد بعض التجار الذين يقومون بزيارة منازل زبائنهم وحقولهم على ظهر الدابة بعد انتهاء الموسم لجمع مستحقاتهم كنوع من نزهة العمل بالنسبة للتاجر، وهذا دليل على العلاقة الجيدة بين الزبون والتجار والتي نفتقدها حالياً، حيث لا يوجد ثقة بين الزبون والتاجر في أيامنا هذه، فالزبون الذي تدينه تخسره».
ويتابع السيد "أيمن": «لقد كان التجار يحضرون بضائعهم من القرى المجاورة كالبيض والحليب والخضار ويعطون أصحابها بدلاً منها بعض المواد المنزلية كـ"الأقمشة والشاي والطحين لصناعة الخبز والأرز وأدوات الزراعة" كالمنجل والمعول وغيرها من المستلزمات الزراعية، حيث يقوم هؤلاء التجار بالمقابل بإعطاء ما جمعوه وليسوا بحاجة له في تعاملاتهم التجارية لقوافل التجار ليحصلوا بدلاً منها عما ليس لديهم في محلاتهم ويحتاجونه في تعاملاتهم».
المهندس "مجد الدالي" رئيس بلدية "القدموس" رأى أن من الهام جداً المحافظة على هذا التاريخ الحافل بنظم وأصول التجارة في زمن كانت التجارة حلما لا يستطيع أحد تحقيقه لما تحتاجه من مال ومكان وضرورة وزبائن، وهنا يقول: «لقد تمتع سوق "القدموس" الأثري والتاريخي وعلى مدى قرون كثيرة بالسمعة الطيبة والمكانة الهامة، لذلك وجدنا كبلدية أنه من الضرورة المحافظة على هذا النظام العمراني والمعماري الذي يخلد ما كان عليه من أهمية، وهذا من خلال إعادة رصف السوق بالحجارة بدلاً من الإسفلت، وإزالة الطينة الخارجية للمحال لإظهار الحجارة المبنية منها كنوع من الجمالية، إضافة إلى اقتراح تحويل الصفة التنظيمية للبلدة القديمة إلى صفة بلدة حالية للمحافظة على أزقتها ومداخلها بنفس العرض وبنفس نظام البناء القديمة من حيث الحجر وشكل وأسلوب فتح النوافذ، وعملنا أيضاً على نشر الوعي الشعبي للمحافظة على هذا التراث».
