عرفت منطقة وادي الرافدين الكثير من الدول والحضارات العظيمة وبالتالي الكثير من القصور التي كانت تدار منها تلك الدول، ولكن أياً منها لم يستطع أن ينل من شهرة قصر "ماري" أو قصر "زيمري ليم" الذي أطلق عليه الباحثون نظراً لروعة تخطيطه ودقة بنائه وجمال الرسوم الجدارية التي زينته اسم "جوهرة الفن المعماري في العصر القديم".
للتعرف أكثر على هذا القصر وأسباب شهرته التقينا الآثاري "يعرب العبد الله"، الذي أفادنا بالقول: «عرفت المنطقة في العصر القديم الكثير من القصور الشهيرة بضخامتها مثل قصر "آشور بانيبال" الثاني في مدينة "نمرود" وقصر "نبوخد نصر" في "بابل" والذي كان أضخم منجزات عصره، ولكن أياً منها لم يصل إلى روعة قصر "ماري" وعظمته.
إن الأسباب عديدة لعل أهمها تركز السلطة بيد الملك والوضع الاقتصادي والاستقرار السياسي بالإضافة إلى الحاجة إلى فرض الهيبة
حتى إن الكثيرين من ملوك الدول التي عاصرت "ماري" كانت تزور المملكة بغية مشاهدة القصر، فملك "أوغاريت" أرسل ابنه لمشاهدته والتعرف عليه، والقصر يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد واكتشف سنة 1934 م وحمل اسم آخر ملك سكنه وهو "زيمري ليم"، ويتألف من قطعة واحدة من الأرض مساحتها حوالي هكتارين ونصف أي 25000 متر مربع مقسمة إلى ثلاثمئة قاعة، وقد كشفت التنقيبات الأثرية أن القصر قام مع بناء أقدم منه والبناء الحديث أنشأه "زيمري ليم" وهو في الجهة الغربية من القصر ويشكل حالة تكامل مع البناء القديم، ويحتوي القصر على باحات منها باحة "النخيل" هي باحة سماوية كبيرة مبلطة بآجر مربع عدا منطقة صغيرة في وسطها وممرات وقاعات للتخزين وقاعات للمقابلات، حيث كان التواصل مباشراً بين الملك والمواطنين وكان مجهزاً أيضاً بحمامات ومغاطس ودورات مياه ومواقد وقد لوحظ استخدام طبقة من الإسفلت على النصف السفلي من الجدران، إذ إنه كانت تستخدم كعازل للرطوبة وألحقت بالبناء غرف للطبخ وللمؤونة تحفظ المؤن فيها بواسطة جرار كبيرة، وقاعة أرشيف لحفظ الوثائق والرقم وقاعات للعمل، أما مدخل القصر فعلى جانبيه غرف للضيوف وحراس القصر وموظفيه، وبالنسبة لجدران القصر الخارجية فكانت عبارة عن أسوار ضخمة مبنية من الطوب المجفف ومطلية بطبقة من الطين الأملس بينما الأساسات فمن الحجارة».
وعن أهم المكتشفات المميزة التي أعطت لقصر "ماري" أهمية كبيرة أضاف: «هناك الكثير من الأمور التي يمكن التوقف عندها ومنها المدرستان اللتان اكتشفتا داخل القصر، وهما عبارة عن غرفتين فيهما صف من المقاعد القرميدية ووجدت معها بقايا ألواح طينية تستخدم للتمارين الكتابية، وهذه المدرسة تقع على حدود زمن مدرسة "سومر" التي كانت تعتبر أول مدرسة في العالم، بالإضافة إلى ألوان الفنون التي اكتشفت في القصر والتي أعطت صورة واضحة عن الفن في العصر القديم وخاصة الرسوم الجدارية التي تميزت بأحجامها الكبيرة وكذلك التماثيل التي وجدت في غاية الروعة رغم الأضرار التي لحقت ببعضها بالإضافة إلى روعة التصاميم والدقة الواضحة في البناء، والتي يمكن استشفافها من الحادثة التي ذكرها "أندره بارو" مكتشف "ماري" وملخص الحادثة أن عاصفة شديدة اجتاحت "ماري" فاضطر العاملون إلى ترك أماكن التنقيب وهم يخشون أن تجرف الأمطار أماكن الحفر فتضيع العاصفة ما أنجزوا، ولكنهم فوجئوا بأن المياه لم تؤثر على الحفريات لأن هذه المياه تسربت في أقنية من داخل غرف القصر مصنوعة لهذه الغاية أي إن أنفاق الصرف في قصر "ماري" ظلت صالحة للقيام بوظيفتها لمدة 4000 عام».
وحول العوامل التي أدت إلى بناء قصر بهذه الفخامة في ذاك العصر تابع "العبد الله": «إن الأسباب عديدة لعل أهمها تركز السلطة بيد الملك والوضع الاقتصادي والاستقرار السياسي بالإضافة إلى الحاجة إلى فرض الهيبة».
ومن الجدير بالذكر أن قصر "ماري" ودرجة العناية وخاصة بالنظافة دفعت الباحث "جورج دوسان" في محاضرة له في بلجيكا إلى القول- وفق ما ذكر الأستاذ "مفيد عرنوق" في كتابه "صرح ومهد الحضارة السورية"-: «كان السوريون منذ 4000 سنة يأخذون حماماتهم في المغاطس التي لم تعرفها قصورنا قبل قصر "فرساي" حتى القرن السابع عشر الميلادي».
