يتطلب الكلام عن سيرة كلية طب "دمشق" الرجوع إلى جذورها وأصول المستشفى الذي كان يتدرب فيه طلابها، والدخول إلى تفاصيل هذه الكلية التي خرّجت اطباء ملكوا القدرات الكبيرة في علم الطب في الوطن العربي.

للوقوف على جذور كلية الطب في "دمشق" وبداياتها وأهم الذين مارسوا الطب فيها التقينا بالباحث "محمد مراد" الذي حدثنا، قائلاً: «لقد كانت في "دمشق" ثلاث مدراس للطب في عصر المماليك هي "الداخورية"، وتقع جنوب الجامع "الأموي"، و"الدنيسرية" وتقع غرب البيمارستان "النوري"، و"اللبودية" وتقع بين مدينة "دمشق" وضاحية "المزة" المجاورة لها، كما كان فيها ثلاثة بيمارستانات أي مستشفيات "الصغير" ويقع قرب الجامع "الأموي" وهو أشهرها وبني سنة 1154، وكان أطباء هذه المدارس الطبية وتلاميذهم يشرفون على مرضى هذه المستشفيات، وظل المستشفى "النوري" كما يقول الأستاذ محمد كرد علي، عامراً لا يقل أطباؤه وصيادلته عن عشرين رجلاً حتى سنة 1899، أي إلى أن تم بناء المستشفى "الحميدي" في عهد الوالي "حسين ناظم باشا"، في الأرض التي كانت تشغلها مقابر "الصوفية" في الجانب الغربي من "التكية السليمانية"، وجرى افتتاحه في 15 ذي القعدة 1317هـ، الموافق 17 آذار 1899، وقد بُني بديلاً عن المستشفى "النوري" ليستقبل المرضى من الفقراء والغرباء, وبلغت تكاليف بنائه ما ينيف عن ثمانمائة ألف قرش، وقد عُرف هذا المستشفى في أول عهده باسم المستشفى "السلطاني" أو "الحميدي"، ولكن السّواد أطلقو عليه اسم مستشفى "الغرباء"، وسمي سنة 1919 في عهد الحكومة العربية الفيصلية باسم مستشفى "الوطن"، ثم أطلق عليه اسم المستشفى العام، وهو يعرف الآن بالمشفى الوطني».

كانت أبنية المعهد "الطبي" والمستشفى التي تُركت وأهملت أثناء الحرب تخربت وتصدعت ولم تعد لائقة بالسكن، والمدرجات أُتلفت، والمخابر ومعداتها نُقلت إلى معهد "بيروت" وضاعت، ولم يبق من المعهد الطبي القديم إلا البناء فقط، فكان الواجب يقضي بإيجاد جميع الأدوات والمعدات

يتابع: «ثم سعى الوالي التركي نفسه "حسين ناظم باشا" إلى إنشاء أول مدرسة للطب تُؤسس في "دمشق" وتدرس العلوم وفق الطرق الحديثة، وصدرت إرادة السطان "عبد الحميد الثاني" في 27 أيلول 1901، وعُهد إلى أمير اللواء الطبيب "فيضي باشا" بتنظيمها، وتم تعيين أساتذة لها من "الآستانة" لتدريس الطب والصيدلة فيها باللغة التركية. واتخذت مقراً لها مبنى "زيوار باشا" الذي كان يقع بين ما يسمى حالياً ساحة الثامن من آذار "ساحة عرنوس" والمستشفى الإيطالي، ولما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، نُقلت هذه المدرسة عام 1915 إلى "بيروت"، وشغلت مقر المدرسة الطبية التي تركها الآباء اليسوعيون وظلت فيها حتى انتهاء الحرب عام 1918، وبلغ عدد من تخرج منها، خلال المرحلة التي امتدت خمسة عشر عاماً من حياتها بالتدريس باللغة التركية بين "دمشق وبيروت" 110 أطباء و152 صيدلياً جلهم من الديار الشامية».

مجاز ومدرسة الأدب العليا بدمشق

وعن فترة الحرب العالمية يقول "مراد": «بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ظهرت في "دمشق" فكرة إيجاد جامعة تدرس باللغة العربية، ودار الحديث عنها على ألسنة الطلاب الذين انقطعت دراستهم في مدرسة الطب العثمانية بعد انسحاب الأتراك وإغلاق أبواب المدرسة، ولهج به رجال الثقافة والفكر، ودفع الفكرة دفعاً قوياً وجود طبيب دمشقي آنذاك من رفاق الأمير "فيصل" في الثورة العربية هو الدكتور "أحمد حمدي حمودة" الذي يعود له الفضل الكبير في إقناع الأمير قبل تتويجه ملكاً على سورية بضرورة إعادة فتح المدرسة الطبية العثمانية. وبعد جدل طويل ومناهضة للفكرة من بعض الفئات تقرر إنشاء مدرسة للطب على أنقاض "المكتب الوطني" العثماني، تُعلم الطب البشري والصيدلة، ويتولى التدريس فيها أطباء عرب على أن تكون العربية لغة التعليم فيها، وأطلق عليها اسم "المدرسة الطبية العربية"، وقد خصصت الحكومة الفيصلية يومئذ مبلغ ألفي ليرة عثمانية لتُنفق على هذه المرسة وعلى مدرسة الحقوق لتؤلفا نواة جامعة عربية».

وهنا يقول الأستاذ "رضا سعيد" في إحدى مذكراته: «كانت أبنية المعهد "الطبي" والمستشفى التي تُركت وأهملت أثناء الحرب تخربت وتصدعت ولم تعد لائقة بالسكن، والمدرجات أُتلفت، والمخابر ومعداتها نُقلت إلى معهد "بيروت" وضاعت، ولم يبق من المعهد الطبي القديم إلا البناء فقط، فكان الواجب يقضي بإيجاد جميع الأدوات والمعدات».

المعهد الطبي العربي بدمشق

يتابع "مراد": «تم افتتاح المدرسة الطبية العربية رسمياً يوم الأثنين 23 كانون الثاني من عام 1919، وفي بناء المستشفى الوطني، واستؤنف التدريس باللغة العربية بعد توقفه في "القاهرة" و"بيروت"، وانقطاعه مدة خمسة وثلاثين عاماً، وقبيل افتتاح المدرسة راحت "دائرة رئاسة الصحة" تنشر إعلانات في المجلات والصحف تدعو فيها الطلاب القدامى إلى الالتحاق بالمدرسة لمتابعة دراستهم، وتدعو الطلاب الجدد إلى مراجعة لجنة خاصة تقوّم معلوماتهم، وقد تشكلت هذه اللجنة من أعضاء أول هيئة تعليمية أخذت على عاتقها البدء بتدريس الطب بالعربية، وتألفت من الأساذتة "عبد القادر الزهراء"، أستاذ أول للتشريح الناحيوي والجراحة الكبرى والصغرى؛ "سعيد السيوطي" أستاذ ثاني للتشريح الناحيوي والجراحة الكبرى والصغرى؛ "أحمد راتب الصبان" أستاذ الأمراض والسريريات الخرايجة والأعضاء الصناعية؛ "أديب الجعفري" أستاذ الأمراض والسريريات الداخلية والعصبية والعقلية؛ "رضا سعيد" أستاذ الأمراض العينية؛ "محمد صادق الطرابيشي" أستاذ أمراض الأنف والأذن والحنجرة؛ "أحمد قدري" أستاذ الأمراض الجلدية والزهرية؛ "حسام الدين أبو السعود" أستاذ الجراثيم والطفيليات.

تخرجت الدفعة الأولى من طلاب المدرسة الطبية العربية سنة 1919 من الذين ابتدأت دراستهم العلمية باللغة التركية وأنهوا السنة الأخيرة منها باللغة العربية، وبلغ عددهم ثمانية وأربعين طبيباً، ويجمل في هذا السياق إيراد أسمائهم تكريماً لقد كان بينهم ثلاثة لبنانيين وعراقي ومصري، أما الباقون فكانو سوريين ومنهم "يحيى الشماع، حودت الكيال، محمود الريس، أحمد ياسين العجة، كامل أشرفية، فؤاد قدح، زكي الشماع، حسني سبح، وحيد حقي، فهمي الحموي، علي اللحام، زكي الورع، شريف الرفاعي، زكي الفحام، إسماعيا الأسطة، سعد الله كامل، سعيد موسى الأتاسي، أحمد شفيق نصري، محي الدين القوتلي، رياض الصفدي، وفائي البني، بهجت الأتاسي"، وانتظر المعهد الطبي حتى سنة 1930 ليخرج أول طبيبة هي السورية "لوريس ماهر"».

طلاب كلية الطب بدمشق 1920

يضيف: «كانت فئة من الأساتذة الأوائل تملك ناصية اللغة العربية لتلقيها دراسة خاصة أتاحت لها ذلك، أما الفئة الكبيرة منهم فقد كانت من الشباب الذين تعلموا بالتركية منذ فجر حياتهم، وتقلدوا مناصب في الجيش التركي أو في الإدارات المدنية التركية، وظلوا بحكم البيئة التي عملوا فيها لا يستعملون إلا التركية في حديثهم، ولما أوكلت إليهم تلك الأعباء الجسام في المدرسة الطبيةالعربية الوليدة التي غيرت لغة التعليم التي درجوا عليها طيلة حياتهم، أخذوا على عاتقهم مشاركة زملائهم القلة في نشر رسالة التعريب، ومن أجل تحقيق الغاية بذلوا جهوداً خيرة صادقة في تعلم العربية على كبر السن، وعملوا بإيمان صادق على تسيير العجلة التي صدئت من طول التوقف، وقد حدث أن استنكف قسم من هؤلاء الأساتذة عن متابعة العمل، فحلت محلهم فئة أخرى أكثر حيوية وحماسة نذكر من أعلامها "عبد الرحمن الشهبندر، عبد القادر سري، سامر الساطي، طاهر الجزائري، إبراهيم الساطي، منيف العائدي، مصطفى شوقي، مرشد خاطر، أحمد حمدي الخياط"».

لقد وجه الأستاذ "محمد كرد علي" في "خطط الشام" إلى بدايات التعليم باللغة العربية نقداً لاذعاً، ولا نحسبه فعل ذلك إلى غيرة على العربية وحباً كي تأخذ جامعة "دمشق" مكانتها بين جامعات العالم، وحرصاً على أن تتبوأ المركز الذي يتناسب وشهرة الديار الشامية القديمة بالعلم كما يبين في كتابه، وقد كتب في هذا الصدد قائلاً: «وما زالت اللغة العامية شائعة في مدرستي الطب والحقوق لأن معظم المدرسين من الطبقة التي لا تقيم للعربية وزناً، ومن الغريب أن توسّد هذه الأعمال العلمية الجليلة إلى أناس هم أتراك في تربتهم وأفكارهم ومنازعهم في صميم بلاد العرب، وفي جامعة عربية يُراد منها تكوين أمة عربية، ويرجى إدخال الإصلاح المنشود إلى هاتين المدرستين العاليتين إذا وُسدت مناصب التعليم فيهما إلى كفاءة، يحسنون العربية إحسانهم العلم الذي يدرسونه".

والواقع أن الأمور سارت كما أراد لها الأستاذ الجليل، فكان بين الفئة الجديدة التي رفدت النبع من هو محيط بالعربية مالك عنانها، كما أقبل غير المتضلعين منهم على استكمال ما نقصهم بدأب وجد كبيرين، وبذلوا قصارى جهدهم كي يمتلكوا ناصية اللغة العربية ويُلقوا محاضاراتهم بلسان عربي سليم».

كما يذكر الأستاذ "سعيد الأفغاني" مثالاً في أحد حواشي كتابه "حاضر اللغة العربية في الشام" يصف فيه الجهد المضني والعزم الصحيح فيقول: «حدثني الدكتور "الشطي" أن "النطاسي" المشهور المرحوم "سامي الساطي" وقد تعلم بالتركية ونشأ نشأة تركية، كان يكتب الدرس ويكلف حاذقاً بالعربية إصلاح لغته فيجدها هذا غير قابلة لإصلاح ما، فيضطر إلى كتابتها من جديد فيحفظها "الساطي" عن ظهر قلب، ويغدو في الصباح يحاضر بها طلابه، ولا يقل ما ينفقه على ضبط لغة المحاضرة الواحدة أربع ساعات».

هذا ما دفع الأستاذ "كرد علي" نفسه إلى الاستدراك والقول: «بعد عشرين سنة مضت على هذا التدوين ارتقى مستوى التعليم في الجامعة السورية، وارتفعت العربية فيها باعتزال من ربوا تربية تركية ووُسد إليهم أمر التعليم لأول إنشائها، وجاء أساتذة اتقنوا العربية وآدابها وهم اليوم يلقون دروسهم بلغة أقرب إلى الفصحى وقد وضعوا التآليف في الطب والحقوق بلغة عربية مقبولة».

يتابع "مراد": «وكان من شدة عزيمة بعضهم وإخلاصهم لعملهم أن تغربوا عن دارهم وأهلهم على نفقتهم بغة إتقان المادة التي أوكلت إليهم مهمة تدريسها، ويُذكر هنا على سبيل المثال تكليف الدكتور "جميل الخاني" في بدء بتدرس النهج والتشريح المرضي، ثم الطلب إليه تدريس الفيزياء الطبية، فما كان منه إلا أن شد الرحال إلى "باريس"، وعكف على طلب هذا العلم حتى اتقنه، ولما عاد إلى وطنه ألف كتاب "القطوف الينيعة في علم الطبيعة" في جزأين ضمّنهما أخر ما توصل إليه هذا العلم في أيامه، وبأسلوب لا عجمة فيه، وبمصطلحات ما يزال العديد منها يستعمل حتى الآن، وبمثل هذا الدأب أصبحت جملة المؤلفات التي تصدر عن المدرسة الطبية العربية والتي أصبحت تسمى المعهد الطبي العربي محط أنظار المتطلعين إلى كتب طبية تبحث في أحدث ما توصل إليه العلم بلغة عربية سليمة، وقد كتب أمين المعلوف في مجلة "المقتطف" القاهرية عدداً من المقالات قرّظ فيها بعض الكتب التي صدرت عن المعهد الطبي في "دمشق" ومن ذلك قوله عن "الجزء الأول من مدخل فن الجراثيم" للأستاذ "أحمد حمدي الخياط": "ألبس المؤلف كتابه لباساً عربياً بحتاً فلا شيء فيه من العجمة مع أن معظم المصطلحات التي فيه أعجمية الأصل، إن هذا الكتاب نفيس جداً، فعسى أن يتحفنا أساتذة المعهد ولا سيما المؤلف بكثير منه».

وعن المرحلة الحالية التي تعيشها كلية الطب بدمشق يخبرنا الدكتور "رضا منذر" أحد الأطباء في كلية الطب: «بعد خمسة وثمانون عاماً مضت تعرض قيها أحدث العلوم الطبية في المدرجات، وتوصف فيها أدق الأجهزة وطرق استعمالها في المخابر، ويتم فيها تبادل الرأي في تشخيص الأمراض ومعالجتها في المستشفيات؛ وكل ذلك بلغة سهلة ميسرة ومصطلحات عربية محضة، وهذا ما نراه اليوم في كلية طب "دمشق"، وفي صنويها كليتي "حلب" و"تشرين" في "اللاذقية"، إن بين أيدينا الآن لغة علمية عربية سليمة واضحة؛ فقد أرسى الرّعيل الأول من الأساتذة دعائم رسالة التعريب على أسس متينة من الإيمان بقدرة اللغة العربية على التعبير العلمي، فاستمر الخير وازداد، وما يزال العمل متواصلاً على يد الأجيال المتعاقبة من الأساتذة الذين تشبعوا بحب اللغة العربية أقروا بفضلها، فكان أن أثمرت شجرة التعريب أطيب الثمار، وبدأت أكلها لا في سورية فحسب بل في أقطار عربية أخرى، ولا ريب في أن فيء هذه الشجرة قادرة على أن يظلل طلاب جامعات الوطن العربي وأساتذتها جميعاً إن هم عرفوا الطريق واهتدوا إلى السبيل».