في أواخر القرن التاسع عشر بدأت بعض المدن والقرى بالنهوض على آثار المدن القديمة التي دمرها المغول والتتار، فقامت "جرابلس" على أنقاض "كركميش" وقامت "بالس" على أنقاض "مسكنة" و"البصيرة" على أنقاض "قرقيسياء" إلا أن أياً من هذه المدن الحديثة لم تستطع أن تنتزع ما كان لسابقاتها من مكانة في مخيلة أبناء المنطقة وذاكرتهم حتى جاءت الحفريات في المدن القديمة لتعيد تشكيل الذاكرة بصورة أكثر دقة من خلال المكتشفات الآثارية.

و"قرقيسيا" أو كما كانت تسمى "كير كيزيوم" لم تشذ عن القاعدة،

تقع المدينة فوق تل عند لقاء الخابور بالفرات وقد حدد موقعها "بطليموس" بالقول: مدينة "قرقيسا" طولها 64 درجة وخمس وأربعون دقيقة وعرضها خمس وثلاثون درجة

eSyria التقى الآثاري "يعرب العبد الله" ليحدثنا عن هذه المنطقة بدءاً من أصلها والحقبة التاريخية التي تعود إليها، فأفادنا قائلاً: «عرفت "قرقيسيا" قبل الفتح "بقرقيسيوم" وقد كانت ثغراً دفاعياً بين الدولتين الرومانية والفارسية، وبعد سيطرة الرومان عليها اهتمّ بها أباطرتهم فبنى الإمبراطور "جوستنيان" سورها وأبراجها كما أمر بزيادة حاميتها العسكرية من ستة آلاف إلى عشرة آلاف، وقد تواصل الصراع حولها بين الفرس والروم حتى الفتح الإسلامي الذي قضى على نفوذ الدولتين الكبيرتين في المنطقة، وهنا بدأ دور "قرقيسياء" كثغر عظيم من ثغور المسلمين إذ لعبت دوراً كبيراً في صد غارات الروم وضرب جيوشهم على الحدود، ويكفي أنها كانت قصبة الخابور التي لا تنافس فهي قاعدته ونقطة التقائه بالفرات ما جعلها تشكل ميناءً هاماً يلفت نظر كافة الدول التي عايشت المنطقة منذ أقدم العصور، وقد عرفت "قرقيسيا" شعوباً وقبائل عديدة إلا أن المتعارف عليه منذ حوالي القرن الرابع قبل الميلاد أنهم ينتمون إلى الجنس العربي كما يذكر الباحث الفرنسي الشهير "رينيه دوسو" وهذه الحقيقة تفرض نفسها رغم أن بعض الحضارات التي عاصرت المنطقة غير سامية وآخرها الدولتان الفارسية والبيزنطية».

الآثاري يعرب العبد الله

وعن الآثار المكتشفة في هذه المنطقة أضاف: «إن مدينة "البصيرة" تقع جنوب التل الأثري وأطلال المدينة تدلّ على تعاقب مدرجات سكنية قديمة وتمتد المنطقة الأثرية حتى نهر "الخابور" الذي يلتقي "بالفرات" وقد هدم "الخابور" جزءاً كبيراً من المدينة وظلت بعض الأبنية الأثرية حتى وقت قريب قائمة في الموقع وخاصة المعسكر الذي تقدر أبعاده من 40-50 مترا وله سور وأبراج وجدران مشيدة بالحجارة والقرميد الشبيه بالقرميد البيزنطي إلا أن حشوته سميكة، ويتناثر أيضاً كثير من الفخار الإسلامي، ومدخل المعسكر الرئيسي يمرُّ عبر برجٍ يتوضّع على الطرف الشرقي بداخله غرف مثمنة الأضلاع ويدل اختلاف البناء في الموقع وعدم التجانس على أنه بني في عصور مختلفة ورمم كثيراً.

وعموماً نجد أن مواصفات البناء الموجودة في "قرقيسيا" أقرب إلى الفن الآشوري من حيث الشكل الهندسي ومواد البناء، على الرغم من أن البعثة الألمانية التي قامت بمسح أثري على "الخابور" وجدت في "قرقيسيا" قطعاً قليلة من الفخار البابلي، كما ذكر الأستاذ "اسكندر داود" أن المدينة كانت عامرة زاهرة بالعصر البابلي كثيرة السكان وافرة الثروة وأنها دمرت خلال غزوات آشورية، ثم عادت إلى سابق مجهدها في عهد "دارا الأول" وبلغ عدد سكانها زمن الرومان 60 ألف نسمة ثم عاودها المغول و"تيمور لنك" بغزواتهم المتكررة حيث كانوا يهدمون ما يرونه قائماً ويقتلون ما يرونه حياً».

الأستاذ عبد القادر سلامة

وعن مكانتها الحضارية عند غير المختصين حدثنا ابن المنطقة الأستاذ "عبد القادر سلامة" قائلاً: «كل قطعة أثرية تكتشف في "قرقيسيا" يعتبرها كل فرد من أبناء المنطقة تعنيه بشكل شخصي لأنها إرث أجداده الذي لم ينتقل إليه من حضارة واحدة بل جاء نتيجة تمازج العديد من الحضارات في منطقة الخصب هذه».

ومن الجدير بالذكر أن "قرقيسياء" البصيرة حالياً تقع كما ذكر الباحث "عبد الصمد حيزة": «تقع المدينة فوق تل عند لقاء الخابور بالفرات وقد حدد موقعها "بطليموس" بالقول: مدينة "قرقيسا" طولها 64 درجة وخمس وأربعون دقيقة وعرضها خمس وثلاثون درجة».