نستقبل في كل عام هذا الزائر الكريم المحمل بالمحبة والخير والعطاء، أينما حللنا كمسلمين في شرق الأرض ومغربها وقبلها وشمالها، وفق طقوسه الخاصة، حيث يتميز كل مجتمع عن غيره بطريقة تعاطيه لعادات وتقاليد هذا الشهر الكريم، والتي تميزت في "طرطوس" بتنوع مشروباتها بمختلف أصولها من "جلاب طرابلس" "اللبناني" إلى "جلاب التوت" و "العرق سوس" "الشامي" و "الخرنوب" الساحلي، لتمنح الصائم الحيوية والنشاط وتساعده على حر هذه الأيام الصيفية وتعطيه الكثير من الفوائد الغذائية اللازمة لحيوية صحته وتوازنها .

وفي جولة eSyria على أغلب شوارع "طرطوس" التي تنتشر فيها الباعة الجوالة للمشروبات الرمضانية التقينا بالسيد "أحمد عبد الرحمن" البائع الوحيد الذي يصنع "جلاب طرابلس" بطريقته الخاصة والمميزة، والتي ورثها عن والده الذي عمل فيها في "لبنان" وأتقن صناعتها، وعنها يقول: «هو مشروب رمضاني مميز بطعمه ونكهته الفريدة وطريقة صنعه، حيث يتم إحضار المواد الأولية المركزة وهي "دبس الخرنوب" و "دبس الزبيب" و "دبس التمر"، وكسرها بالماء وفق مقادير معينة لا يعلمها إلا صاحب المهنة، فنكسر بداية أي نحل ونذيب "دبس الخرنوب" بالماء، ثم نكسر "دبس الزبيب" وبعدها "دبس التمر" ونقوم بإضافتها وفق معايير معينة فوق بعضها بوعاء جاف ونظيف يمكن إغلاقه بشكل محكم، حتى نحصل على النكهة الخاصة ب"جلاب طرابلس" والتي تتميز عن غيرها من المشروبات بها، ونتركها حتى تتجانس بعد خلطها مع بعضها بشكل جيد، ونقوم بتصفيتها وإضافة نكهة البخور السائل قطرة قطرة وبكمية معينة، ونضعها في مكان بعيد عن الرطوبة والضوء لفترة من الزمن تقدر بالساعات حتى تتخمر وتتفاعل مع بعضها جيدة، وبذلك تكون جاهزة لشربها بعد الصيام مباشرة» .

أثناء النهار نتجول بالعربة المحملة بالأواني المليئة بالشراب، ونقدمها مع مكعبات الثلج، ضمن أوعية يحضرها الزبون معه، أو ضمن أكياس مخصصة نضعها فيها مع بعض الثلج لحين العودة إلى المنزل وإفراغها في أوعية زجاجية ليتناوله قبل الإفطار

وعن طريقة تقديم "جلاب طرابلس" يقول: «بعد تمام عملية التخمير نضع المشروب في أوعية ستانلس، منعاً لتخريب طعمتها، وعند تقديمها نصبها في الكؤوس الزجاجية ونضيف إليها الثلج ونضع على وجهها المكسرات المختلفة مثل "اللوز" و "الكاجو" و "الفستق الحلبي" و "البندق"، فتضيف نكهة لذيذة لها» .

السيد "أحمد عبد الرحمن"

أما عن الفوائد التي يراها في "جلاب طرابلس"، يقول السيد "أحمد": «ما أعرفه وما اخبرني به والدي عن فوائد "جلاب طرابلس" للصائم، هي أنه يساعد على ترطيب جوف الصائم بسرعة كبيرة، وتمنع عنه العطش، وتيسر عمل الكليتين بعد الصيام، وتمنع عسر الهضم وتشعر الصائم بالشبع لما تحتويه من فوائد غذائية ناتجة عن خلاصة الفواكه المكونة لها» .

هذا المشروب الرمضاني المميز الذي يجب على الجميع زيارتنا في "طرطوس" لتناوله، يرى السيد "عبدو بدور" أنه شراب يعيد له بطعمه المميز وفوائده المختلفة عن باقي المشروبات، نشاطه المعتاد بعد يوم صيام قاسي بسبب حرارة الصيف، ناهيك عن إرواء العطش الذي ينسي شرب الماء ويمنح الجسم صحة وحيوية طوال الوقت .

البائع "سامر صباغ" والسيد "حسن جلول"

في حين يؤكد السيد "أحمد عبد الرحمن" أن "جلاب التوت" شامي الأصل الذي هو عبارة عن "دبس رمان" و "دبس عنب" و "دبس توت" مركز، يكسر أيضاً بالماء وفق مقادير خاصة ومعينة، له فوائد جيدة على الصحة، حيث تمنح الصائم عند تناولها في وقت السحور الكثير من السوائل الغنية بالفيتامينات والبروتينات ليبقى الجسم محافظاً على توازنه الداخلي خلال أوقات الصيام، مضيفاً أنه الوحيد الذي يقدمه أيضاً، حيث أن أغلب الباعة يقدمون عصير "الخرنوب" فقط .

وفي لقاء آخر مع السيد "سامر صباغ" أحد الباعة المتجولين وأمهر من صنع شراب "الخرنوب" في مدينة "بانياس"، يقول: «أعمل في هذه المهنة مع أفراد عائلتي منذ زمن بعيد، وقد ورثناها عن آبائنا، حيث تكثر صناعتها أو يمكن القول ترتبط صناعتها في شهر رمضان الكريم فقط، فالسوائل الغنية بالفيتامينات والمعادن مطلوبة للصائمين لأنها مغذية لهم وتمده بالحيوية والطاقة خلال الصيام، وشراب "الخرنوب" يحتاج إلى وقت طويل لصناعته وتخميره، فنقوم بشراء "الخرنوب" سنوياً خلال الموسم من القرى الجبلية المحيطة بنا بسعر حوالي العشرين ليرة للكيلوغرام، وننتظرها حتى تصبح يابسة وجافة، ثم نأخذه إلى المطحنة الخاصة الموجودة في قرية "المرقب" ونطحنه ونضعه في أكياس كبيرة، ونخزنه حتى قدوم رمضان، حيث نقوم كل يوم الساعة الثانية عشر ليلاً بنقع كمية محددة من "الخرنوب" المطحون بالماء البارد ونتركها حتى وقت السحور، ثم نبدأ بتصفية الماء من "منقوع الخرنوب" بشاشة ناعمة ونظيفة، ونضعه في الأواني المخصصة له، ونضيف له نكهة "العرق سوس" والقليل من السكر حسب الرغبة، أما بقايا المنقوع من "الخرنوب" الجاف نستفيد منها كعلف للحيوانات التي نربيها في المنزل» .

مشروب "جلاب طرابلس"

أما عن طريقة صناعة "العرق سوس"، فيقول السيد "محمود صباغ": «نشتري المادة الخام "العرق سوس" من التجار، حيث تكون مطحونة وجاهزة للتخمير، فنرشها بالقليل من الماء ونعرضها للهواء والشمس ثم نضعها في كيس قماشي "خام" معد خصيصاً لها ذا ثقوب ناعمة جداً، ونتركها بعض الوقت لتتخمر، وبعدها تبدأ عملية السحب، حيث نضع أكياس "العرق سوس" المخمر في أوعية خاصة بشكل مائل ونضيف إليها الماء ببطء وبشكل متتابع وخفيف، لكي يتابع تخميره ويبقى لونه كثيفاً غامقاً، ونستمر في هذه العملية حتى يتحول لون السائل إلى لون أبيض، ثم نضع الشراب المستخرج في أواني خاصة نظيفة جداً، لتباع في اليوم الثاني» .

وعن طريقة بيعها وتقديمها يقول السيد "محمود": «أثناء النهار نتجول بالعربة المحملة بالأواني المليئة بالشراب، ونقدمها مع مكعبات الثلج، ضمن أوعية يحضرها الزبون معه، أو ضمن أكياس مخصصة نضعها فيها مع بعض الثلج لحين العودة إلى المنزل وإفراغها في أوعية زجاجية ليتناوله قبل الإفطار» .

أما عن الإقبال على هذا المشروب وفوائده فيقول السيد "سامر جلول" أحد الزبائن: «الإقبال على هذه المشروبات كثيف في شهر رمضان، وبالنسبة لي أحب بشكل خاص "جلاب طرابلس" و "الخرنوب" لما لها من فوائد عديدة أشعر بها بعد تناولها، فهي تساعد على تخفيف العطش، وتساعد في الشفاء من قرحة المعدة، والوقاية من الرشح لاحتوائها على فيتامين "c"، والتخفيف من السعال، كما تفيد في معالجة الإمساك، وتلطف رائحة الفم خلال الصيام، إضافة إلى أنها منشط عام ومقوي للجسم» .