"لولا الموسيقا لكانت الحياة خطأً" على حد قول "نيتشه"، وفي رؤية متجددة موسيقياً لاستعادة جمال الثقافة الفنية، ولإظهار أعماق الكائن البشري بفن يحمل الإبداع، وضمن فعاليات مهرجان "ما زالت المرأة تغني" الذي تقدمه دار الأسد للثقافة والفنون في قاعة الأوبرا، انتاب الحضور الدهشة والتفاؤل بصوت سوري نال الجائزة العالمية بالغناء الأوبرالي وصدح في قاعة الأوبرا ليكسب قلوب الحاضرين وملايين المستمعين بالغناء العربي الأصيل، بالتوازي مع الموسيقا الجميلة لفرقة الطرب بقيادة المايسترو "ماجد سراي الدين".

"أنا قلبي دليل وليال الأنس ودارت الأيام ويا بدع الورد" وغيرها من الأغاني الطربية القديمة لكبار المطربين في القرن الماضي، جاد بها صوت الفنانة العالمية "لبانة القنطار" على مسرح دار الأوبرا، فكانت لحظات سعادة غمرت الجمهور حين عاد بذكرياته لزمن الغناء الطربي والأصوات الرخيمة التي امتازت بالشجن بإحساسها العاطفي والوجداني، والمطربة "لبانة القنطار" التي نالت الصفة العالمية في الغناء الأوبرالي، غنت اليوم الغناء العربي الطربي فأطربت وتمايل المستمع لصوتها وأدائها، على حد قول الموسيقي "مروان بخاري" الذي تحدث لموقع eSyria قائلاً: «ما قدم اليوم هو نداء حقيقي لتوثيق تلك الأغاني بصوت يستطيع أن يصل بالمتلقي إلى البعد الثقافي الفني من خلال إمكانيته في المد الصوتي والتطريب بعُرَبٍ تحمل دلالة جمالية على عمق تقانة هذا الصوت وثقافته، والأهم أنها قدمت مجموعة من الأغاني لمطربين مثل "اسمهان وأم كلثوم وليلى مراد"، ومن الجيل المعاصر المطربة "ميادة الحناوي"، وكل منهم له خصوصية في أدائه لأغنيته، فعملت "لبانة" على إعطاء اللحن المكانة والإحساس في إخراج الكلمة المغناة كما لو أرادها الملحن ذاته الذي رسم خطوط اللحن بثقافته الإبداعية، خاصة في القفلات الغنائية التي عملت على تكريس المدرسة "السنباطية" فيها بدرجات الانخفاض في طبقات القرار، وجعلت جمال التعبير والوصف يصل إلى إحساس المتلقي، كما في أغاني "اسمهان": "ليال الأنس، ويا بدع الورد، وعليك صلاة الله وسلامه" والأخيرة أغنية دينية تحمل مجموعة من الإيقاعات المختلفة ومتلازمة مع التمني والشفاعة والابتهال، لذلك فهي بحاجة إلى انتقال بين المقامات للتعبير عن دلالة معاني كلماتها، إضافة إلى أغنية "أنا قلبي دليلي" للمطربة "ليلى مراد"، رغم أنها عملت على إظهار جماليات العُرَب الصوتية باستخدام المد والاستعراض الصوتي الاوبرالي، فقد عمدت "لبانة" إلى إدخال نمط جديد في التعبير الإيقاعي لكونها دارسة وأستاذة الغناء في تلازم الصوت الإيقاعي وخاصة الغربي منه، لأن الأغنية كانت على إيقاع "الفالز"، لذلك استطاعت المطربة القديرة "لبانة القنطار" أن تدخل الأفئدة دون استئذان، واستطاعت ان تثبت أن المرأة إذا غنت فهي تدخل السماء وتعانق السحاب بقوة وإحساس وجمال صوتها».

عشنا ساعتين من الغناء العربي الأصيل، وانتقلنا مع صوت "لبانة" الاسمهاني، إلى عالم الموسيقا والطرب الجميل

الدلالية الفنية في طبيعة الصوت القادر، والتفاؤل بقدراته على أداء النهج الطربي لأعمال يصعب أداؤها، يشكل حالة إبداعية خاصة عند النخبة المثقفة، بالعودة إلى أعمال القرن الفائت الموصوف بالزمن الماضي الجميل، المترافق لأصوات مميزة أمثال "أم كلثوم واسمهان، وليلى مراد وسعاد محمد"، حيث يتابع احد الحضور الدكتور "عدنان أبو الفضل" المهتم بالموسيقا والاستماع للطرب العربي بالقول: «لم يكن للجمهور أن يصفق أو يطلق عبارات "آه أو الله" لولا الوصول الإبداعي الذي اخترق مشاعره وأحاسيسه، فعند الاستماع إلى أعمال "محمد القصبجي وفريد الأطرش ورياض السنباطي وعبد الوهاب"، تشعر بالبعد الفكري والاهتمام بالقيمة الفنية لطبيعة الأصوات التي سادت، ومهرجان هذا العام قدم لنا أصواتاً تميزت بجماليتها وإمكانيتها أشعرتنا بتفاؤل كبير لمستقبل الأغنية العربية الطربية، وبشكل خاص ما قدمته المطربة "لبانة القنطار" الصوت الاسمهاني بجدارة التي غنت بإحساس خاص في التعبير والوصف للحن، ما جعلت الجمهور يعيش لحظات الطرب الغريزي حين كان يصفق لها عند نهاية كل مقطع أو أغنية لتعايشه مع نغماتها ومقاماتها الطربية».

الدكتور عدنان أبو الفضل

النجاح يُحمل صاحبه مهمة صعبة أمام الزمن القادم، وأمام نفسه لرسم مخطط فني لمستقبله والمحافظة على مكانته ورتابته، ويدعمه بمشاركته مهرجانات تحمل بعداً ثقافياً في الزمان والمكان، حيث بينت الفنانة "لبانة القنطار" ذلك بقولها: «كنت قبل أسابيع قليلة قد شاركت في مهرجان "تونس" وقدمت باقة من أغاني الراحلتين الكبيرتين: "اسمهان وأم كلثوم"، والحمد لله تفاعل الجمهور معي بشكل كبير، واليوم تأتي مشاركتي متممة للمشاركة التي تشرفت بها عام 2008 ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية بمهرجان "النساء تغني"، واليوم "مازالت المرأة تغني"، لعل تلك المشاركات تدفعني إلى اكتشاف أشياء جديدة تدعم مسيرتي الفنية، فانا أعيش مع كل منها تجربة فنية جديدة، وبعد كل منها أجري تقييماً لها، والعودة لها حين الضرورة، وهذا ما يشعرني بالقلق الدائم للحفاظ على رتابة ومكانة وقيمة هذا النوع من الفن الراقي، خاصة أن بلدنا سورية تمتاز بجمهور يملك ذائقة فنية وثقافة موسيقية مميزة، وبالتالي نجاحي في بلدي هو الطريق نحو العالمية دون شك».

وعن تعبير الحضور أوضحت الصحفية "انتصار الأدهمي" قائلة: «لا شك أن لبانة أدت أغاني طربية جميلة ومعبرة، وكانت أمسية لطيفة، شعرنا بمعاني الطرب العربي الأصيل، من خلال صوتها الجميل».

المايسترو ماجد سراي الدين

الدكتور "تيسير أبو الفضل" عبر بقوله: «عشنا ساعتين من الغناء العربي الأصيل، وانتقلنا مع صوت "لبانة" الاسمهاني، إلى عالم الموسيقا والطرب الجميل».

لابد للتعاون من أن يثمر ثمرة طيبة، ما أوضحه المايسترو "ماجد سراي الدين" قائلاً: «منذ بداية تأسيس أوركسترا طرب عام 2002، ونحن نسعى لإحياء الموسيقا الشرقية وإعادة الصلة بينها وبين جمهور تواق لها، وتوسيع الدائرة لتشمل جيلاً شاباً جديداً كان لابد له أن يتعرف على الموسيقا وروادها ويستمتع بها من خلال حفلات استعادت الأعمال التراثية من كافة القوالب الآلية الغنائية، حيث بدأت الفرقة بستة عازفين وكان اسمها آنذاك "تخت أساتذة المعهد العالي للموسيقا" بينما تضم اليوم 70 عضواً من بينهم 20 منشداً ومنشدة، حيث شاركت بالعديد من الحفلات والمهرجانات من بينها مهرجان "النساء تغني" ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربي وغيرها وصولاً إلى هذا المهرجان "مازالت المرأة تغني"».

جانب من الحضور

يذكر أن الفنانة العالمية "لبانة القنطار" قد شاركت في احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية مع قائد فرقة الطرب المايسترو "ماجد سراي الدين" عام 2008 في قصر العظم، وهنا في دار الاوبرا مع الفرقة نفسها وللمرة الثانية من مهرجان "النساء تغني" إلى "مازالت المرأة تغني".