صيف عام "2010" جاء حافلا بنتائج التنقيب للموسم الحادي والعشرين على التوالي في تل "سيانو" الأثري الذي يعتبر من أهم وأقدم التلال الأثرية في الساحل السوري والذي يبعد قرابة 8 كم شرق مدينة "جبلة".

ونتيجة القيمة الكبيرة لهذا التل فقد حظي باهتمام المديرية العامة للآثار والمتاحف التي باشرت فيه أعمال التنقيب منذ عام "1990" وحتى تاريخه حيث ظهرت معالم أثرية جديدة في موسم التنقيب لهذا العام.

أردنا أن نكشف عن سوية البرونز الحديث الموجودة لأنه كان قد ظهر سابقاً رقيم طيني من الفترة المذكورة، بالإضافة إلى أهمية المكان بسبب وجود معبد من فترة الحديد الثاني كان قد كشف عنه سابقاً

ولتسليط الضوء على أبرز المكتشفات الأثرية التي ظهرت بالموسم الحالي، موقع eLatakia التقى الباحث المهندس "ابراهيم خيربك" مدير آثار ومتاحف "جبلة" الذي حدثنا عن نتائج التنقيبات الأخيرة بالقول: «قامت البعثة الأثرية الوطنية العاملة في موقع تل "سيانو" بتنفيذ موسمها الحادي والعشرين خلال الفترة الممتدة من 15/6/2010 ولغاية 20/7/2010، حيث أسفرت نتائج التنقيب عن أهم اللقى المكتشفة من بينها- جزء من نصلة من الأوبيسديان، وزنة دائرية الشكل من الحجر، مدقة من البازلت مكعبة الشكل، نصف دولاب من الرخام، مسن من الرخام، مدقة من البازلت، قطعة من الحجر الكلسي دائرية الشكل ولها خطين غائرين دائريين حول قسمها العلوي، نصلة من الصوان، خرزة كروية الشكل من العقيق، دمية طينية حيوانية مكسورة، مكشط من الصوان، خرزة متطاولة الشكل من الفريت، نصف مغزل من الفخار له شكل دائري وحوافه مكسورة، خرزة من الحجر دائرية الشكل، نصلة من الصوان ذات لون مائل إلى البيج طرفها العلوي مكسور،مكشط صغير من الصوان له لون مائل إلى البيج، نصلة من الأوبسيديان صغيرة الحجم مكسورة من طرفيها».

المهندس ابراهيم خيربك مدير آثار ومتاحف جبلة

وأشار المهندس "خيربك" إلى أن أعمال التنقيب للموسم الحالي القطاع "A.bis"، وقال: «تركز العمل في القسم الجنوبي من القطاع "A.bis" الذي بدأ التنقيب عنه منذ عام "2005" خلال موسم التنقيب السادس عشر حيث تمت متابعة أعمال الكشف الأثري في القسم الجنوبي ضمن المربعات (B.4 E3, D3, D4, C3, C4,). للتوصل إلى معرفة دقيقة لطبيعة التسلسل الطبقي لهذا القطاع وعلى الخصوص فيما يتعلق بامتداد أساسات البناء الحجري الضخم الذي ظهر خلال السنوات الماضية والعائد إلى عصر البرونز القديم الرابع "آ" والذي لم نتمكن من كشفه والوصول إليه خلال الموسم السابق وذلك بسبب العثور على الكثير من السويات الأثرية التي توضعت فوقه والعائدة بالتحديد إلى عصر الحديد الثاني والثالث وبالتالي لم نتمكن من الوصول إلى سويات الألف الثالث قبل الميلاد، ومع مباشرة أعمال التنقيب خلال هذا الموسم، تم ملاحظة أن السويات العائدة إلى عصر الحديد الثاني كانت معقدة نوعاً ما ومحفوظة بشكل جيد ومستمرة على عدة مراحل متتالية حيث ظهرت ضمنها وحدات معمارية على قدر من الأهمية. تم القيام بكشف كامل لجميع هذه السويات، وكذلك تم الكشف عن عدد من السويات العائدة إلى عصر البرونز القديم الرابع وعصر البرونز القديم الثالث.

لقد تميز القسم الجنوبي من القطاع "A.bis" بتسلسل طبقي ملحوظ محفوظ على عدة مراحل متتالية، وخاصة فيما يتعلق بالسويات العائدة إلى عصر الحديد الثاني والثالث التي تم كشفها خلال هذا الموسم والموسم السابق، وذلك لوقوع هذا القسم خارج نطاق حدود المعبد الهلنستي الضخم، والذي خرب مجمل السويات الواقعة إلى شمال حدوده الجنوبية».

صورة تبين الوحدات المعمارية العائدة لعصر الحديد الثاني

وخَلُصت أعمال التنقيب خلال هذا الموسم بالكشف عن بناء له طبيعية دينية، وعن هذا الجانب حدثنا المهندس "خيربك" بالقول: «خلال هذا الموسم تم الكشف عن بناء دلت المعطيات المعمارية و الأثرية على أن له طبيعة دينية، مرت عليه عدة مراحل من الاستيطان، تم تحديد أربع مراحل رئيسية، ومن الأقدم إلى الأحدث وفي وصف للمراحل الأربع تبيّن في السوية الأولى وهي الأقدم بأنه لم يبقى من المبنى إلا بقايا لأرضية مرصوفة بحجارة دبش ضخمة ومحفوظة بشكل عند طرفها الشرقي (الوحدتان المعماريتان "85، 63")، أما السوية الثانية حيث كشف منها عن أرضية (الوحدة المعمارية "84") مرصوفة بحجارة ضخمة توضعت أمامها حجارة صغيرة الحجم، وهذه الأرضية محفوظة بشكل جيد عند قسمها الشمالي، وحيث كشف إلى الشرق منها عن ممر يؤدي إلى ممر آخر مفتوح على غرفة كشف منها جدارها الشرقي (الوحدة المعمارية "77") وجدارها الجنوبي (الوحدة المعمارية " 78") بالإضافة إلى أرضيتها من رصف من الحجارة المتوسطة الحجم المتوضعة بجانب بعضها البعض.

وتؤكد السوية الثالثة بأنه خلال هذه المرحلة من استيطان المبنى تم إعادة استخدام الغرفة ولكن تم رفع مستوى أرضيها فتوضعت فوقها أرضية أخرى (الوحدة المعمارية "79") محفوظة بشكل ملحوظ، عبارة عن رصف من الحجارة الصغيرة الحجم المتوضعة إلى جانب بعضها البعض وبشكل منتظم، عثر فوقها على جمجمتين لثورين متجهين نحو الجنوب كشف أمامهما عن حجر مشغول مستطيل الشكل (الوحدة المعمارية " 80")، على الأرجح أنه مذبح، وكذلك تمت إضافة جدار (الوحدة المعمارية "82")، ارتبط من طرفه الغربي مع الجدار (الوحدة المعمارية "77")، ضم مدخل عند طرفه الشرقي. وفي السوية الرابعة والأخيرة تم إعادة استخدام جميع الوحدات المعمارية العائدة إلى السوية الثالثة، ولكن تم إغلاق المدخل الموجود ضمن الجدار (الوحدة المعمارية "82") برصف من الحجارة المتوضعة فوق بعضها البعض وضع بينها جرة فخارية متوسطة الحجم قاعدتها مكسورة.

قطعة برونز مشغولة

أما فيما يتعلق بالسبر "2" الذي بدأ العمل به خلال الموسم السابق وقدم لنا معطيات هامة عن السويات العائدة إلى عصر البرونز القديم الرابع آ والثالث، مع الغياب الكامل لسويات البرونز القديم الرابع ب».

وتؤكد هذه النتائج التي خَلُصت إليها أعمال التنقيب خلال هذا الموسم، بحسب ما أكده المهندس "خيربك" بالقول: «تؤكد النتائج التي خلصت إليها أعمال التنقيب للموسم الحالي أهمية الاستيطان في الموقع خلال سويات عصر البرونز القديم، ونستطيع أن نؤكد أن هذا الموقع الذي بدأ تنظيمه المعماري الضخم خلال منتصف الألف الثالث قبل الميلاد هو من أهم مواقع سهل جبلة وأن موقعه جعل منه نقطة استراتيجية تسيطر على هذا السهل من الشمال إلى الجنوب بالإضافة إلى سيطرتها على المناطق الزراعية المحيطة به».

كما تناولت أعمال التنقيب القطاع "D" في موقع التل، وعن الهدف من التنقيب في الموقع المذكور، قال المهندس "خيربك": «أردنا أن نكشف عن سوية البرونز الحديث الموجودة لأنه كان قد ظهر سابقاً رقيم طيني من الفترة المذكورة، بالإضافة إلى أهمية المكان بسبب وجود معبد من فترة الحديد الثاني كان قد كشف عنه سابقاً».

وخلصت أعمال التنقيب في القطاع "D" وفق ما أكده المهندس "خيربك": «ممكن أن نتكلم عن غرفة ظهر منها جدارين وأرضية ومدخل يقع في الجدار الجنوبي له عتبة حجرية مستطيلة أبعاد الغرفة الداخلية المكشوفة 370×310سم، والكسر الفخارية التي ظهرت تؤرخ هذا المبنى إلى فترة الحديد الثاني وهي نفس فترة المعبد المجاور ولكن من مرحلة زمنية أقدم ، وعلى ضوء هذه التحليلات ممكن أن نقول أن الرقيم الذي ظهر سابقا في هذه المربعات والذي أرخ في فترة البرونز الحديث ليس في مكانه الأصلي وإنما منقول من مكان آخر».

بقي أن نذكر أن "تل سيانو" من أهم وأقدم التلال الأثرية على الساحل السوري نظرا لأنه يعتبر غني بمعالمه الأثرية التي تشمل كافة السويات في المنطقة، حيث كان مملكة رئيسية في منطقة "جبلة".

ويذكر أنه عمل بالتل منذ بدايته إلى جانب البعثة الأثرية الوطنية العاملة كل من الدكتور "بسام جاموس" المدير العام للآثار والمتاحف والدكتور "ميشيل مقدسي" مدير التنقيب بالمديرية العامة للآثار والمتاحف.