على أكتاف السور الشمالي "لدمشق القديمة" وعلى تلة صغيرة بدأ التوسع الشرقي لدمشق قبل خمسة قرون، عدة أحياء متداخلة شكلت ما يسمى "حي ساروجة"، اثنان منها كوّنا حياً منفصلاً سمي "حي العقيبة والسمانة".

يقع هذا الحي خارج سور "دمشق القديمة"، شمال "شارع الملك فيصل"، ويبدأ من "سوق الهال القديم" حتى "مدخل السيدة رقية"، عند هذا المدخل تبدأ الحدود الشرقية للحي التي تعرف "بجادة الأموي"، وهي من "سوق الحدادين" إلى "مقبرة الدحداح"، ويشكل "شارع بغداد" الواصل بين "مقبرة الدحداح" ومفرق "شارع الثورة" الحدود الشمالية للحي، حيث يمتد "شارع الثورة" الواصل بين "شارع بغداد" و"شارع الملك فيصل" غرب الحي.

لا تملك "العقيبة" صروح أثرية قديمة مقارنة بآثار "دمشق القديمة"، لأنها لم تكن مأهولة قبل خمسة قرون، ولكنها تعبر عن الاتجاه العمراني الذي ساد "دمشق" بداية الحكم العثماني، ولعل أقدم الابنية الموجودة هو "جامع الخرزمي" أو ما يعرف "بجرن الأسود" الذي يصل تاريخه إلى /650/ عاماً ماضية، أما المباني التاريخية الأخرى "كبيت خالد بيك العظم" وهو اليوم "متحف دمشق التاريخي"، الذي يعود بناؤه إلى أربعة قرون

موقع "eSyria" بتاريخ 10/2/2010 حاول إلقاء الضوء على معلم شعبي شهد أفراح وأتراح ونجاحات واخفاقات أجيال عاشت هنا في "حي العقيبة" والتي سرد لنا بعضها مختار "حي العقيبة والسمانة" السيد "محمد بن أحمد باكير" والذي بدأ حديثنا عن التاريخ العمراني للحي بقوله: «في الماضي كان الحيان منفصلان إدارياً، ولكن بسبب التداخل وتشابك فيما بينهما، دمجا قبل أربعين عاماً، وأصبحا يشكلان حياً واحداً، وهما يتبعان الآن إدارياً لدائرة خدمات "ساروجة".

حمام أمونة القديم

وتعود أصل تسمية "العقيبة" إلى أربعة قرون مضت، لأن الحي بني على ما يشبه العقبة- تلة صغيرة- تصل مساحتها إلى خمسة كيلومترات مربعة، هذه العقبة أو "التلة" تشكل حدود "حي العقيبة"، أما "السمانة" فسميت بذلك لكثرة البقاليات ودكاكين السمانة الموجودة فيها، ففي الماضي كانت هذه الدكاكين تمتد من أول "حي السمانة" إلى آخره، وشكلت سوقاً عامراً، أما اليوم فعدد هذه الدكاكين تضاءل بشكل واضح».

وأكمل "باكير" قوله: «بالنظر إلى حدود الحي وتقسيماته اليوم تجدها واضحة، ومحددة المعالم، لكنها لم تكن كذلك قبل خمسين عاماً، فالحي كان متداخلاً توءمياً مع "حي ساروجة" التي كانت تسمى "أسطنبول الصغرى"، في منطقة تسمى "مطرح ما ضيع القرد ابنه" باللهجة المحلية العامية أو "منطقة الأعجام"، لصعوبة تميزها عن بعضها بعضاً، ولكن بعد أن شق "شارع الثورة" طريقه فيها، وانفصل "حي العقيبة والسمانة" عن "حي ساروجة" أصبح من السهل الإشارة إلى معالم الحي وخاناته.

المختار "محمد باكير"

تبدأ خانات هذا الحي بكلمة "ساروجة" كخانة "الديمجية" فتسمى الخانة إدارياً "ساروجة ديمجية"، وتصل خانات "حي الساروجة الكبير" إلى سبعين خانة، منها عشرون في "العقيبة والسمانة"، هي "ديمجية"، "طاحون"، "ستي زيتونة"، "شماعين"، "مناخ"، "شيخ مجاهد"، "قفا الدور"، "عقيبة"، "سلطاني ابرم"، "أعجام"، "تحت مأذنة"، "بين القبرين"، "داقور"، "معمشة"، "عناتبة، "بقارة"، "داوور آغا"، "عين باشا"، وأخيراً "ساروجة نوفرة"».

وهنا تجدر الإشارة أن لكل اسم من أسماء خانات "حي العقيبة" سبب تسمية حسب ما ذكر لنا المختار "باكير"، فيقال إن تسمية "ستي زيتونة" يعود إلى سيدة "ست" كما تسمى باللغة المحكية في "دمشق"، كانت تحفظ القرآن ودفنت تحت شجرة زيتون، أما خانة "ساروجة شماعين" نسبة إلى بائعي الشمع فيها، ويضيف المختار: «"ساروجة قفا الدور" كانت منطقة البساتين والمنتزهات واقعة خلف القصور الكثيرة التي كانت موجودة، حيث كانت العائلات تذهب إلى هناك لتقضي أوقاتها، وهي قريبة من "شارع بغداد" الموجود حالياً.

الفسحة السماوية لجامع التوبة

خانة "ساروجة تحت المئذنة" سميت نسبة إلى المئذنة الموجودة وحدها دون مسجد، أما "ساروجة عين الباشا" فسميت بذلك نسبة لعينٍ من مياه كانت تنبع في بيت كبير يعود "لعبد الرحمن باشا اليوسف"، فسميت الجادة "بعين الباشا"، ومنطقة "ساروجة" ملأى بالعيون "كعين الكرش" وغيرها».

المختار "محمد باكير" تحدث عن أهم الملامح العمرانية في الحي، وخاصة أنه يعتبر أول الأحياء التي تحررت من الطراز العمراني للحاضنة الدمشقية القديمة، وبحث عن هوية جديدة تحاكي الاتجاه العمراني الجديد الذي جاء به العثمانيون إلى "دمشق" فبدأ بقوله:

«لا تملك "العقيبة" صروح أثرية قديمة مقارنة بآثار "دمشق القديمة"، لأنها لم تكن مأهولة قبل خمسة قرون، ولكنها تعبر عن الاتجاه العمراني الذي ساد "دمشق" بداية الحكم العثماني، ولعل أقدم الابنية الموجودة هو "جامع الخرزمي" أو ما يعرف "بجرن الأسود" الذي يصل تاريخه إلى /650/ عاماً ماضية، أما المباني التاريخية الأخرى "كبيت خالد بيك العظم" وهو اليوم "متحف دمشق التاريخي"، الذي يعود بناؤه إلى أربعة قرون».

ويضيف المختار «تشكل الحمامات أو الخانات العنوان العمراني الأبرز في المرحلة العثمانية، فكان أي والي أو أمير عثماني يحكم "دمشق" أو يسكن فيها، يبني فيها "خان" أو حمام ويسميه باسمه تخليداً له، ويوجد في "العقيبة" ثلاث حمامات هي "حمام الخانجي"، "حمام الأمونة" و"حمام العمري"، الذي يعود بتسميته إلى "الشيخ عبد الله العمري" العثماني.

كما يوجد في "العقيبة" ستة عشر مسجداً، أكبرها "جامع التوبة"، الذي يعتبر من المساجد المعروفة على مستوى العالم، وهو مقصد الزوار وطلاب العلم، وتقام فيه حلقات العلم والذكر، ويقصده يوم الجمعة على سبيل المثال حوالي ألفا مصلٍّ، فيهم نسبة لا بأس فيها جاءت خصيصاً من خارج الحي».