"العبي"، "العطارة" ،"القطن"، أسواق قديمة في "حلب"، ضمت بين دكاكينها مهن أصبحت بحكم النادرة، والتي قد لا نعرف مصيرها بعد جيل أو جيلين، eSyria جال في هذه الأسواق وحاور عددا من تجارها المعروفين وعاد بالاستطلاع الآتي.
الحاج "غزال حموي" البالغ من العمر /65/ سنة تحدّث عن واقع سوق "العبي" قائلاً: «منذ عام /1960/ وأنا في السوق، فعدد المحلات كانت أكثر من تسعة عشر محلاً لكن لم يبق منها سوى محلين، بسبب دخول الآلة إلى تلك المهنة، فانخفض سعر القطعة الصناعية عن القطعة اليدوية مما أدى إلى قلة الطلب على الأخيرة، ففي السابق كان السوق يعجّ بالمشترين والسائلين عن أجود الأنواع، وكانوا يتباهون بتطريزاتها الفريدة المقصّبة، أو التي توازي لون العباءة نفسها ناهيك عن جودة الفرو المصنوعة منها، أما الآن فقد عزف الكثير من الناس عن ارتدائها في المنازل بسبب انتشار المدافئ الحديثة، وهذا الانحسار لم يقتصر في البيوت فقط، ولكنه امتدّ أيضاً إلى عادات العرب في لباسهم، فقديماً كانوا يرتدون العباءات في المجالس العربية، فأصبحوا الآن يرتدون الجاكيت والمعطف مما أدى إلى اختفائها بشكل تدريجي».
سوف تغيب مستقبلاً بسبب ضعف المبيع وعزوف الكثيرين عنها، فالإستمرارية نستمدها الآن من عملية تصدّيرها إلى العراق وتركيا فقط
وتذكر الرواية أن العباءات أصلاً كان لونها أبيض بسبب طبيعة الأجواء الحارة في الجزيرة العربية، لأن اللون الأسود يمتص الحرارة، لكن يحكى أن أحد البائعين اشتكى من تكدّس العباءات السوداء لديه، فما كان من صديقه الشاعر ربيعة بن عامر، إلا أن نسج أبياتاً قال فيها:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بناسك متعبد
فقد كان شمر لصلاة ثيابه... فوقفت له عمداً بباب المسجد
ردي عليه صلاته وقيامه... لا تقتليه بحق رب محمد
وبتلك الأبيات زاد الطلب على العباءة السوداء، وبعد فترة انتشرت الألوان التي نراها في يومنا، ويستطرد الحاج "غزال" قائلاً: «إن العباءة في طريقها للانقراض ولم يبق منها سوى الأسواق الخارجية مثل "العراق والسعودية"، فصعوبات تلك المهنة تزداد يوماً بعد يوم من خلال ضعف المبيع ورخص البضائع الصينية المستوردة، وهذا عائد لتوافر المواد الأولية وانخفاض أجور الأيدي العاملة عندهم، مما أدى إلى عزوف أكثر من /90/ بالمائة من أصحاب تلك المهنة».
سوق العطارة، وحكاية مشابهة
الحال في سوق العطارة ليس بأفضل من سابقه، بسبب التخصص الطبي، وبذلك غاب الطلب على الطب الشعبي في أذهان الناس، فالحاج "عبد القادر بهايا" البالغ من العمر /58/ تحدّث عن واقعها قائلاً: «كان عدد المحلات سابقاً أكثر من مائة محل، لم يبق منها سوى ثلاثة للعطارة المتخصّصة أما باقي المحلات الأخرى فقد أدخلت أصنافاً جديدة غير مهنة العطارة»
وعلى ما يبدو فإن حركة الناس على محلات العطارة قديماً اختلفت على ما هو عليه الآن حينما فيكمل موضحاً:«كان سوق المدينة يعجّ بالناس والمشترين، منذ الصباح حتى غروب الشمس لأن العطارة محصورة فقط في سوق المدينة أما الآن فقد انتشرت في كافة أرجاء حلب، ناهيك عن ظهور العلم الحديث الذي يتناول كل مشكلة باختصاصها وهذا مما أضاف أيضاً إلى عزوف الناس عن استخدام الأعشاب في المعالجة»
اما الصورة اليومية للسوق حالياً فينقلها لنا الحاج "عبد القادر" «نلحظ مؤخراً عودة بريق هذه المهنة من خلال ما يسمى "بالخلطات" فنجد الخلطة الخاصة "بالصداع" والثانية لتخفيف "الآلام" والثالثة لمعالجة "الشقيقة" والرابعة "للإمساك" ووفقاً لرأيه فإن المستقبل يدعو للتفاؤل:«الآن مهنة العطارة تشهد إقبالاً عليها بسبب خلوها من أي مادة كيميائية، وبرأيي الشخصي سوف تزدهر ولكنها تحتاج إلى فترة ثانية».
سوق القطن..ناعم وأبيض
يحدثنا الحاج "أحمد خيّاطة" البالغ من العمر /55/ عاماً عن مهنة الصوف وما آلت إليه قائلاً:«إن عمر هذه المهنة ممتد مابين /70 ـ 75/ عاماً، فكان عدد المحلات في سوق القطن حوالي /60/محلاً بقي منهم ستة فقط، فالناس قديماً اهتمّوا بالصوف كثيراً لفوائده كالشعور بالدفء في الشتاء والبرودة في الصيف، وسبب ذلك وجود الهواء المحتبس بين الشعيرات مما يمنع دخول الهواء من المصدر الخارجي، ناهيك عن سحب "العرق" من جسم الإنسان» ويضاف إلى ذلك مقاومته للاحتراق بسبب احتوائه على مادة "الكيراتين" التي تحتاج إلى درجة عالية للاشتعال.
أما عن عملية وصول الصوف إلى السوق يخبرنا قائلاً: « تتم معالجة الصوف بدءاً من جز الصوف من على جسم "الخاروف" ونقله بعدها إلى "الخانات" في منطقة "جب القبة" وبعدها نقوم بالغسل والتنظيف وتنقيته من الأشواك والأعواد ثم تأتي مرحلة الدق لتصبح هامدة مستوية، ومن ثم تنقل إلى الأسواق لتصبح جاهزة للبيع».
أما عن سبب عدول الناس عن الفراش المحشوة بالصوف فيعتبر أن الأسباب عائدة إلى:« أن الفراش الحديثة ذات الضغط العالي تختلف تماماً عن الفراش الصوفية، فهي مصنوعة من الفيزلين والديكرون ومواد أخرى، فهي باردة في الشتاء ودافئة في الصيف والناس العصريين أصبحوا يرغبون في الفراش الحديثة لعدم توافر الأماكن الكبيرة للغسيل والنشر وبالإضافة إلى ذلك خفة وزنها»، أما عن مستقبل المهنة فيقول«سوف تغيب مستقبلاً بسبب ضعف المبيع وعزوف الكثيرين عنها، فالإستمرارية نستمدها الآن من عملية تصدّيرها إلى العراق وتركيا فقط».
