مازالت النساء تقصده تطلب الأجمل والأغلى، الحرير والمخمل الأحمر والبنفسجي والأزرق والأخضر، والأسود سيد الألوان، هنا في سوق الأقمشة في "السويداء" تجد المرأة ما تشتهي فهي صاحبة الذوق الرفيع التي لم تتخل عن الزي العربي وجعلته الند والنظير لكل ما تقدمه صيحات الموضة.
في طريقة قد يستغربها البعض تعرض أثواب القماش كباقات من الزهر خفيفة منسدلة تظهر رقة القماش ونعومته، حيث تقدم معارض القماش أفخر الأنواع للسيدات اللواتي يفضلن القماش الناعم للزي العربي الذي يفرض جماله ليكون المفضل والبضاعة الرائجة لسوق قديم تجاوز عمره الستين عاما، ومازال نابضاً بالحياة تجد فيه العصري والقديم وكل احتياجات الأسرة من أقمشة اللباس والمفروشات.
وإذا ما حاولت الزيارة للسوق الذي يمتد على أطراف الطريق المتفرع من ساحة السيد الرئيس إلى ساحة "الفخار" في الجزء الجنوبي من سوق المدينة، ولا يتفرع عنه إلا بضع محلات تجاور سوق "الحمزات" الشعبي فإنك تلاحظ عراقة هذا السوق وما يتفرد به من جمال جعل موقع eSuweda يتوجه بالسؤال للسيد "صابر أبو سعدى" صاحب أقدم متاجر القماش، ليسرد لنا قصة السوق.
** عمل والدي "داوود أبو سعدى" في التجارة لسنوات عدة وكنا نساعده في هذا العمل الذي بارك الله به، وفي عام 1950 وبعد العمل في "صلخد" انتقل إلى "السويداء" ليؤسس هذا المتجر الذي كان مع متجر لآل "حمزة" نواة لسوق القماش، وبالنسبة لي فقد بدأت العمل في هذا المتجر من العام نفسه مع الوالد إلى جانب الدراسة، وقد تخرجت في كلية الحقوق ولم أترك العمل لأن التجارة مهنة محببة ومرغوب بها في ذلك العصر الذي كان فيه عدد التجار لا يتجاوز أصابع اليد، وكان فيها التاجر صاحب شهرة ويكتسب الصيت والسمعة من عمله التجاري خاصة في مجال الأقمشة لكونها كانت تجارة حديثة العهد، وكان التاجر الأقرب للمجتمع لأنه على اتصال مباشر مع معظم عائلات المحافظة ومن خلاله يحصلون على مستلزمات الأسرة.
ولعدة عقود كانت البضاعة تصلنا عن طريق "بصرى" و"خربة غزالة" وتنقل على الجمال، وأتذكر أن أقمشتنا كانت سورية المصدر عدا أصناف محددة كانت تأتينا من اليابان، وهي أقمشة تطلبها الأسر الغنية وكانت في الغالب للزي العربي للنساء في هذه المنطقة، وكنا ومازلنا في هذا السوق نحرص على إرضاء الزبائن ومن واجبنا توفير كل الطلبات الفاخرة وألبسة العمل فلكل زبون بضاعته التي تتناسب مع ظروفه، وعلى الرغم من أن الأزياء كانت بسيطة لكننا كنا نعرف جيداً ما يُطلب وكنا بشكل أو بآخر نعرفهم على كل ما هو جديد، وما ينسجم مع تقاليدنا فالزي انعكاس طبيعي لعادات المنطقة وموروثها وهذا ما جعل سوق "السويداء" المفضل عند أهلها وقد لا يجدون طلبهم إلا في مدينتهم، حيث كنا نبيع أقمشة للرجال والنساء للصبايا والعرائس للعجائز والأطفال الجميع يعتمد على الخياطة ويقصدوننا لشراء كسوة الشتاء والصيف، ومن أطرف المواقف في تلك الفترة أن رب الأسرة وبعد موسم الحصاد كان يزورنا ليشتري للزوجة للأولاد والبنات للكناين (زوجات الأولاد) وللأطفال كل ما يلزم.
*ستة عقود مضت كيف كان السوق وعلى أي هيئة أصبح؟
** السوق الذي كان عبارة عن متجرين، وأصبحت محلاته اليوم تتجاوز العشرات، تعرض أقمشة متنوعة، لكن ما يميزه أنه مازال محافظاً على التراث وهناك خطوط عريضة ومشتركة تلك التي تجعله منسجماً مع طلبات الزبائن، ومنذ القدم كنا نبيع أقمشة خاصة لزي الرجال ومازلنا لأن نسبة كبيرة من الرجال ترتدي الزي الشعبي هنا وفي هذا السوق نبيع "الحطة" غطاء الرأس الأبيض وهو لكبار السن و"العقال" وهو ما يوضع على الرأس ليكمل الزي، وبالنسبة للنساء فقد كان متجرنا المعني بتأمين جهاز العرائس الذي لم يكن ليزيد على بدلة عربية مع "الفوطة" وهي غطاء الرأس وكان سعر متر قماش "الجاكار" في ذلك الزمن لا يتجاوز الثماني ليرات، إلى جانب قطع القماش التي تهدى للأقارب ونساء العائلة بمناسبة زواج الأبناء، وعلى الرغم من مرور الزمن وما طرأ من تغيرات اجتماعية مازالت العرائس تطلب الزي الشعبي وتزورنا لتقطع عشرة أمتار من أنواع القماش الفاخرة وغالية الثمن، حيث انتقلنا من "الجاكار" إلى "الحرير" و"المخمل"، وتلاحظ أن كافة المتاجر تعرض الأثواب والأقمشة المناسبة لهذا الزي بألوان مشرقة التي تشكل 50 بالمئة من مبيعات السوق، وفي كل موسم تجد لدينا تصاميم وأنواعاً جديدة ليس للعرائس فحسب بل لمختلف الأعمار.
مع أن أساليب الخياطة تغيرت لكن التصميم الأساسي لم يتغير وبقي الزي الشعبي اللباس المحبب للسيدات في العقد الرابع وما فوق، وهذا ما حرضنا على تنويع البضاعة وتجديدها لترضي السيدات اللواتي يتعاملن مع الزي بطريقة راقية ويخترن الأقمشة بعناية مع أنها باتت مكلفة، فقد يبدأ سعر المتر من 200 ليرة ليصل لما يقارب ألف ليرة.
*كيف استطاع السوق المحافظة على التراث وكيف تنظرون للمستقبل؟
** لأننا ننظر بعين الرضا عن تجربتنا في هذا المجال ولأننا نجل تجربة الآباء التي استطاعت إيجاد مثل هذه المتاجر وهذا السوق الذي يختزل سنوات العمر، فإننا نحاول المحافظة على كل ما هو قديم، وبالنسبة لي فأنا رغم مرور سنوات على وفاة الوالد إلا أنني لم استبدل الرفوف ولم أغير تصميم المتجر وأضفت مساحة جديدة حرصت أن تكون على هيئة القديم، ومازلت أدير العمل من على مكتب الوالد وهو أقدم قطعة أثاث تزين هذا المتجر، ومن وجهة نظري فإن أصالة هذا السوق والحرص على الموروث القديم هي الكفيلة برسم المستقبل وهي القادرة على المحافظة على أخلاقيات العمل وتقاليده، تلك التقاليد التي عرفت بنا كتجار وليصبح لنا معارف وأصدقاء بدءاً من قرية "الغارية" جنوباً إلى قرية "الصورة الكبيرة" شمالا.
