"دمشق" أسطورة الياسمين, حروفٌ سطرتها ورود الياسمين الدمشقي على جدران الشام القديمة وشرفات المنازل الدمشقية وزينت بلونها الأبيض الصافي ربوع غوطتها، ونسجت على أفواه شعرائها قصائد سطرت بماء الذهب, زهرة الياسمين تحولت إلى رمز كل ماذكرت تبادر إلى الذهن (دمشق), فجابهت قاسيون بشموخه وبردى بتدفقه لتتربع برائحتها الزكية ولونها البراق على قلوب الدمشقيين على مرِّ العصور.

كل هذا وأكثر كان سبب اجراء هذا الاستطلاع وفي البداية توجهنا إلى بيوت دمشق القديمة حيث التقينا "أبو زياد نور الدين" وزوجته، حيث أخبرانا عن علاقتهما بالياسمين: «إن هذه الزهرة العريقة رافقتنا منذ زواجنا قبل 43 عاماً إلى الآن, فهي بالنسبة لنا كابن من أبنائنا زرعناها بمناسبة ولادة أول أطفالنا واعتنينا بها فكبرت مع جميع أطفالنا، وماتزال إلى الآن تفوح رائحتها في أرض الديار متعتقة بجدرانه تملأ حياتنا بالصفاء».

للياسمين دور لايمكن إغفاله في اشاعة حالة روحانية نفسية تشكل علاج نفسي لا مثيل له يخرج من القلب هُمومه ويعيدُ للأيام لونها الأبيض

وكما زُينت حارات الشام القديمة بها, كذلك لُوِّنت شوارعُ دمشق وحدائقها وجامعاتها أيضاً, لتكون وسيلة يُعبر الناس عن حبهم وصدق مشاعرهم, طامعين بعطائها المستمر من خلال تبادلهم أزهارها الجميلة, هذا فعلاً ما وجدناه لدى أهالي دمشق عشاق الياسمين...

الأديب مازن محملجي

  • فمن ليمونةٍ مالت علينا لتغمرَ بيتنا عطراً وظِلا -

  • وفرع الياسمينِ هناك لما أخذنا تحت أنجمهِ محلا-

  • فراحَ وقد تنفس عن عبيرٍ يباهي في الشذا وَرداً وفلا-

  • فما من شَعرِ آنسة وجيدٍ لها إلا بلؤلئه تحلى-

  • على إيقاع هذه الكلمات صاغ الأديب والشاعر أ."مازن محملجي" قصائد حب بدمشق والأكيد أن الياسمين هو من سطر حروفها, فلقد كان للياسمين الدمشقي في نفسه أثر الماء في التربة العطشة, وعن ذلك يقول: «الياسمين هوالذي أيقظ إحساسي بالجمال عندما رأيته يزين صدورالفتيات ورؤوسهن, وهوالذي فجر بواكير موهبتي الشعرية وجعلني أنشدُ فيه أرواع المعزوفات الشعرية, وذكر الياسمين قد طغى بالدرجة الأولى على كثيرٍ من قصائدي فجعلها تفيض بعبير الأزهار كلما لامس ذكراه أذان السامعين, فلا غرابة إذا اختصت أشعاري بوصف البيت الدمشقي الأصيل الذي يمتاز بالياسمين وبأحواض الماء التي تضفوا على سطحها ورد الياسمين وتتوسطها النوافير ذات الإيقاع العذب المطرب».

    الفنان ميسر صابوني

    وإلى-مشتل الكوثر- وجهتنا حيث تحدثنا مع المهندس "محمود الموصللي" الذي قال: «إنها زهرة الفصول الأربعة ورُودُها تبقى متفتحة وأوراقها خضراء على مدار السنة إلا في حالات الصقيع, تحتاج صيفاً إلى أشعة الشمس من طلوع الشمس وحتى ساعات الظهرالأولى أما شتاءاً فتحتاج إلى الحرارة أي أشعة الشمس وفي الأيام الماطرة أوالغائمة تنقل إلى البيوت البلاستيكية, فهي بحاجة للرطوبة صيفاً وللحرارة شتاءاً» وعن إقبال الزبائن قال: «على الرغم من منافسة أنواع أخرى لها- كالورد الجوري وعطرالليل والكاردينيا- إلا أنها تتصدرها جميعاً, وفضلاً عن رائحتها الرائعة وألوانها الباهية يكثر الطلب عليها لكونها من النباتات المتسلقة حيث أنهُ بالإمكان التحكم بطريقِ سيرها لتزين بها أماكن الجلوس حيث تزرع».

    وفي قاعة المعارض في المركز الثقافي في كفرسوسة هناك حيث التقيت مع الفنان التشكيلي"ميسر صابوني" و عن أثر الياسمين على لوحاته قال: «في الحقيقة لا يسعني أن أعبر عن ذلك بالقول وإنما بالإحساس، فأثر الياسمين على لوحاتي سببه تلك المساحة التي تشغلُها هذه الزهرة من ذاكرتي فحكايتي معها هي حكاية رافقتني منذ الطفولة, حيث تشغل ورود الياسمين مساحة كبيرة من أرض بيتنا القديم,أما طريقي إلى المدرسة فكان وكأنه مرصوف بالياسمين فكم هي المرات التي صنعت فيها عقوداً من الياسمين أهديتها لأمي وتبادلتها مع أصدقائي».

    العطار أحمد وسام.

    أما عن معارضه ولوحاته, قال: «لاتغيب زهرة الياسمين الدمشقي عن أي معرض لي, ففي مشاركاتي الخارجية في- تركيا وايطاليا- مثلاً كان للوحات الياسمين النصيب الأكبر من المبيعات, كذلك معارضي في سورية يكون الإقبال عليها بكثرة فلونها الأبيض الصافي أثر نفسي عجيب, تترك راحة للأعصاب والتي هي قبل راحة الدواء».

    أما لدى العطارين وفي -المعطرة الدمشقية- تحديداً, تحدثتُ هناك مع البائع الشاب "أحمد وسام" عن مكانة الياسمين اليوم بين موجة العطور الغربية والكيميائية الحديثة, فقال: «إن لوجود زهرة الياسمين بكثرة دور كبير وفعال في دوام توافرها, ولكنها تصنف من العطور غالية الثمن فالحصول على زيت الياسمين البلدي الطبيعي يتطلب كميات كبيرة من وروده ووقت لتحضيره, وأكثر من يطلبها هم كبار السن الذين لم يتأثروا كما الجيل الحاضر بزحمة العطور العصرية, وذلك للتطيُب بها أثناء أداء الصلاة وعند الذهاب إلى أماكن العبادة لما تطفيه رائحتها من نفحات روحانية فرائحتهُ النقية ليست كغيرها من العطور كعطر-العود-مثلاً والذي قد يتأذى منه الأخرين, أما عن الشباب فالعديد بل الكثير منهم يطلوبون مزج عطورهم الحديثة بزيت الياسمين لما له من خاصية رومنسية تفوح بين عشاقه».

    أما من الناحية الطبية يقول «للياسمين دور لايمكن إغفاله في اشاعة حالة روحانية نفسية تشكل علاج نفسي لا مثيل له يخرج من القلب هُمومه ويعيدُ للأيام لونها الأبيض».