«كان البئر في "توتول" غزير المياه عذبها قليل العمق، وكانت جدران البئر الداخلية تلفح من الأعلى بالآجر، أما أسفل البئر فهو من الحجر الحواري ذو المسامات التي تسمح برشح المياه الجوفية إلى داخل البئر، وكان سحب الماء يتم بواسطة دلاء من الجلد، وبحبال من القنب، أو الشعر، يدور على محالة "بكرة خشبية"، تعلق على عارضة فوق فوهة البئر، وكانت السيادة للمرأة عندما كان الري من البئر، جاء في الأمثال البابلية: "الزوجة مستقبل الرجل"، وجاء في شكوى أحد الرجال: "خرجت زوجتي إلى المعبد، وذهبت أمي إلى النهر، وأنا هنا أموت جوعاً"».
هذا ما ذكره لموقع eRaqqa بتاريخ (25/12/2009) الباحث "محمد عبد الحميد الحمد" في معرض حديثه حول أهمية المياه، وكيفية استخراجها قديماً في منطقة "توتول"، "الرقة" القديمة من سقي "الفرات".
الخور هو القناة الرئيسية التي تتفرع عنها القنوات الأصغر. وكانت الدولة هي المسؤولة عن سلامته، فإذا كان الماء فيه منخفضاً، لا يصل إلى الأرض المؤجرة، فعلى الحاكم أن ينصب رافعة لسحب المياه وتوصيلها إلى قناة المستأجر، طبقاً للأمر الملكي الدائم "املأ القناة بالماء وجهّزها للفلاح". من بداية الري إلى نهايته. وتتبع القناة الرئيسية قنوات ثلاثة فرعية: "الايكو" هي القناة التي تتفرع منها عدة قنوات. و"الأتابّو"، وهي قناة عريضة مدخلها أو المأخذ حوالي /12/م. و"البالجو"، وهي الساقية التي تروي الحقل مباشرة. وكانت لكل ساقية من هذه السواقي مدة زمنية لإرواء الحقل تدعى "عدّان"
ويتابع "الحمد" في السياق ذاته، قائلاً: «كانت هناك منخفضات حول "توتول" على جانبي فرع "البليخ"، كانت تملأ بالماء في فصل الربيع، ويجري سحبها في بداية فصل الصيف بواسطة الدالية، وهي عبارة عن جذع شجرة طويل، يتأرجح على دعامة حجرية في رأس مغرفة "دلو" على الجذع الأقصر، وفي القسم الأطول يعلق ثقل، وهناك "المنزفة"، وهي دالية صغيرة، تشد في رأس عمود طويل، جرة صغيرة، وينصب عمود وفي طرفه مغرفة، ويستسقى به الماء الذي يفرغ في حوض الساقية.
هذا التصور وجد محفوراً على الأختام الأسطوانية في كافة بلاد ما بين النهرين على "دجلة" و"الفرات" و"البليخ" و"الخابور". كانت ملكية الأرض هي ملك للإله "داجن"، إله الخصب، وكان الملك هو الكاهن الأكبر، ممثل الإله على الأرض، وفي الألف الثالث قبل الميلاد، تغيرت أساليب الري، وبالتالي علاقات الإنتاج قال "يخدون ليم"، ملك "ماري" و"توتول": "أنا فتحت نهراً وجعلت دلاء السحب مهجورة في بلادي"».
وحول طرق الري المتبعة قديماً، يقول "الحمد": «إن الري من الأنهار كان يتم بالراحة ويسمى "شيقتوم"، وهذه الكلمة البابلية هي أصل كلمة السقي العربية، وصار موزع الماء هو الشخصية الثانية بعد الملك، أو هو الملك أحياناً.
بعد أن استولى "حمورابي" /1728 - 1686/ على "ماري" و"توتول"، قال مفتخراً: "إنه جهّز شعبه بالمياه الوفيرة". وجاء في مقدمة شريعته أول الملوك مخضع الأقاليم على طول "الفرات" بفضل قوة خالقة "داجن"، من أنقذ قوم "ماري" و"توتول" الأمير الورع.. من وسّع الأراضي الزراعية، والذي يقوم بخزن الحبوب.
شق "حمورابي" قناة من "الفرات" لإرواء منطقة "توتول" في منطقة "دامانو" في منطقة "السلحبية" في قرية "دامان"، جاء في رسالة من "حمورابي" إلى الحاكم "سن أدينام". وهكذا يقول "حمورابي": "ادعُ الناس الذين لهم حقولاً على جانب قناة "دامانو" بأن تطهير القناة خلال هذا الشهر".
كان للري دوراً كبيراً في الحياة المعاشية، والمثل عندهم: "الناس بدون حاكم مثل الماء بدون مراقب القناة". بل كان "نبوخذ نصر" ملك "آشور" يطلق على نفسه لقب "مراقب القنوات"، و"ساقي الحقول"، و"فلاح بابل"».
وعن طرق توزيع المياه، يقول: «صار موزع الماء الشخصية الثانية بعد الحاكم، ويطلق عليه "المكّار"، والمكر في اللغة العربية هو أحد أشكال السقي، جاء في "المخصص" لـ"ابن سيده": أسقى أرضه أرواها بحدود حاجتها، وأمكر أرضه، غمرها قبل سقايتها، وتهيئتها للزرع.
ومن صلاحيات المكّار، "مراقب الماء في القنوات"، السهر على سلامة توزيع المياه والأمر الدائم لديه (أملأ القناة بالماء وجهّزها للفلاح)، يعاون المراقب ثلاثة موظفين: الأول: يسمّى "بان ميّة"، مهمته الإشراف على توزيع المياه وإصلاح القصر. والثاني: قاضي المياه، وكانت مهمته الفصل بين المتقاضيين حول مدة السقاية، وينفذ أوامره الدائمة "جوجالوم"، أي "الكادود"، وكانت أجوره يأخذها من المحصول على قدر محدود.
وكانت طرق الري القديمة سبباً في خلق الدولة المركزية القوية، التي ارتبط بها بناء السدود، وخلق جهاز من الموظفين يشرف عليهم مهندسون مختصون في مسح الأراضي وشق الأنهار والقنوات».
ويتحدث الباحث "الحمد"، حول السدود قديماً، وطريقة بنائها، قائلاً: «كان السد يتألف من الفتحة أو المأخذ وتدعى البثق. وكانت تشيّد بالحجر المهندم، ويصب بينها بعض القصدير المذاب، وكانت تجعل للنهر فتحتان، وفي هذا الإطار يعلق الدكتور "أحمد سوسة"، قائلاً: "تعد الفوهات في صدور الأنهر القديمة أمراً مألوفاً لدى القديمين حيث كانوا يصممون جداولها على أساس جعل فوهتين للجدول، أحدهما تستعمل في الشتاء والأخرى في الصيف، وكانوا يفتحون جداولهم دون أن ينشئوا نواظم بنائية في فوهاتها، وكانوا كلما اندرست إحداها وتراكمت فيها الأتربة والأحجار مما يحول دون دخول المياه إليها". وكان النهر الجعـفري يسمى مكـانه "تل الرحيات"، كما هو الحال في موقع "تل الرحيات" على نهر "البليخ"، وكان يدعى سابقاً "العيزارة" مكان أرحاء تدار بالماء.
الباب أو السكر: يأتي بعد مدخل القناة الرئيسية باب أصغر من الفتحة الرئيسية يغلق ويفتح عند الحاجة وكان مكان الإغلاق يسمى "السكر" في الأعلى ويسمى أيضاً "المنفشان"، أما في الأسفل فيدعى "القرقور"، وهذه التسميات الأكادية والسومرية لا زالت مستخدمة في ريفنا على نهر "البليخ". أما في "بغداد" والعراق فإنها تدعى "البثق"».
ويضيف "الحمد" في السياق ذاته، قائلاً: «كان الأقدمون قد بنوا سداً على الرافد الشرقي نهر "الهرماس"، وبالآشورية يدعى "خرميش"، ويعرف اليوم بنهر "الجغجغ"، وعرف السد باسم "سكير العباس"، نسبة إلى "حامد بن العباس" /837-923/ الوزير على أيام "الموفق" و"المقتدر"، تولى إدارة الخراج والضياع، حوّل مياه هذا النهر "الهرماس"، وأوصله إلى نهر "الثرثار" للاستفادة منه لإرواء منطقة "الحضر"، وزيادة رقعة الأراضي المزروعة في "الجزيرة".
كانت الأوامر الملكية الدائمة السريان: "اعمل على تقوية بوابات قنواتك، ومجاري قنواتك التي تقع على امتداد قناة الإله "سين" في أعلى نهر "البليخ"، وكان الإله "سين" هو إله القمر، وهو معبود أهل "حران" والأعراب المحيطون بها.
كانت السدود محور اهتمام الدولة في الشرق القديم، واستمر ذلك حتى العصر الحديث، وكانت عملية ترميم السدود السنوية تقام ضمن احتفالات وطقوس دينية، تهيئة "السكر" لموسم جديد. وكانت تتخلل ذلك بعض الممارسات الإباحية التي تشترك فيها بغايا المعبد، وفي ريف العراق تعمل حزم مكونة من عدة طبقات محشوة بالشوك والبردي والقصب، ثم تلف كل طبقة بحبال من الصوف، وتسمى هذه اللفافة بالبطيخة، أما في ريفنا على "البليخ" كانوا في بداية هذا القرن يستعدون بجمع الشوك والبردي والزل، وكانت النسوة اللواتي يجمعن الشوك يدعون سكارات "البليخ" تروى عنهن قصصاً غريبة. ثم تجري بعد ذلك عملية "هرز" الشوك في "السكر" وتدعى اللفافة بـ"الهوكة"، وهي في العربية الحفرة، وكأنهم قالوا أنها السدادة للحفرة. وكان "جيام الخليل"، وهم القائمون على خدمة مشهد نبي الله "إبراهيم الخليل" يشتركون في هذه الاحتفالات بالضرب على الدف والصنجات النحاسية والأناشيد الدينية، لأن للمشهد سهم من المحصول في كل حقل، وهذا هو حق المعبد قديماً».
وحول "الخور" والقنوات التابعة له، يقول "الحمد": «الخور هو القناة الرئيسية التي تتفرع عنها القنوات الأصغر. وكانت الدولة هي المسؤولة عن سلامته، فإذا كان الماء فيه منخفضاً، لا يصل إلى الأرض المؤجرة، فعلى الحاكم أن ينصب رافعة لسحب المياه وتوصيلها إلى قناة المستأجر، طبقاً للأمر الملكي الدائم "املأ القناة بالماء وجهّزها للفلاح". من بداية الري إلى نهايته.
وتتبع القناة الرئيسية قنوات ثلاثة فرعية: "الايكو" هي القناة التي تتفرع منها عدة قنوات. و"الأتابّو"، وهي قناة عريضة مدخلها أو المأخذ حوالي /12/م. و"البالجو"، وهي الساقية التي تروي الحقل مباشرة.
وكانت لكل ساقية من هذه السواقي مدة زمنية لإرواء الحقل تدعى "عدّان"».
ويختتم "الحمد" حديثه لموقعنا حول قنوات التصريف أو قناة البزل، قائلاً: «كان يترتب على أصحاب الحقول المحافظة على حقولهم، من زيادة نسبة المياه الجوفية، مما يؤدي إلى زيادة الملوحة "النزاز". وكانوا يتبعون طريق البزل لتصريف المياه الزائدة، لأن الري في القديم يعتمد على طريقة "المكر" أي الغمر، وهي طريقة لا زالت متبعة في ريفنا، حيث لا تقنين في المياه، مما يؤدي إلى ملوحة الأرض الجبسية، كما حدث في المشروع الرائد، حيث خرجت منه ستة آلاف هكتار بعد عامين من استزراعه عام /1974/، ولكن المهندسين الزراعيين اتبعوا الطريقة القديمة في البزل، وأعادوا الأراضي التي خرجت من الاستثمار.
وكان القدماء يحفرون خندقاً في أحد أطراف الحقل لتصريف المياه الزائدة إلى مجرى النهر الأصلي، وكانت هذه المصارف الفرعية تدعى "موصو"، وكان التفريع يحدث بعد الريّة الأولى "الطربيس".
جاء في أحد النصائح البابلية في الزراعة: "ابذل عنايتك لئلا يرتفع الماء ارتفاعاً كبيراً فوق الحقل، وحافظ على الأرض المسقيّة من دوس البقر والبشر بعد أن يفيض الحقل بالماء"».
