بأيدي ثلمتها خيوط الصوف المتينة مشكلة فيها شقوقاً دقيقة، وبأنفاس تنغمس كل صباح منذ ثلاثين عاماً في غبار الصوف، وبصبر يطول ثماره، ما تزال ثلة قلية من النسوة هن آخر من بقي من عصر حرفة حياكة "السجاد اليدوي" حفاظاً على طقوس هذه المهنة التي هي مصدر رزقهم، رافضين تسليمها لأيدي الانقراض والذوبان في هيمنة الآلة.

موقع eHama زار الوحدة الإرشادية لصناعة السجاد في قرية "عقرب" وألقى الضوء على واقع هذه المهنة التي تعد اليوم على شفير هاوية الانقراض.

نملك حالياً في "حماة"، وحدتين لصناعة السجاد اليدوي المصنوع من "الصوف الحر" مئة بالمئة، في منطقة "عقرب" و"حربنفسه"، ويعمل بها أربعة وعشرين عاملة كلها على أنوال يدوية

وتقول السيدة "شهلة خضور" والعاملة منذ ثلاثين سنة على النول: «أواصل عملي في حياكة السجاد منذ ثلاثين عاماً، وأعتبرها برغم قساوة مزاولتها من أروع المهن كوننا نضع فيها شيئاً من روحنا، فأية سجادة يدوية يجب أن تقوم إلى جانب الخبرة والحرفية، على جانب الفن والإبداع، الذي يحفز العاملة لإبداع رسومات وتصاميم وزخارف عالية الدقة والجمالية، وطبعاً إدخال هذه التصاميم يكون مع كل لفة خيط أثناء حياكة السجادة، لذا لابد أن تظل الذاكرة متقدة لحفظ كافة خطوات تدخيل الزخارف، وأية هفوة مهما كان صغرها من الممكن أن تشوه مظهر السجادة بالكامل التي قد يستغرق العمل عليها أشهراً بأكملها».

سجادة من الصوف الخالص

كما التقينا العاملة "مطيعة اليوسف" ولها ثلاثون عاماً من الخبرة، تقول موضحة مراحل العمل: «يجب أن تكون أرضية السجادة من "القطن" أو "الساتان"، في حين أن وجهها يجب أن يكون من "الصوف" الخالص، لذا نقوم بعملية "تسدية" الخيوط القطنية على النول اليدوي، بمعنى "لفها بشكل شاقولي" على طول المسافة بين المطوى العلوي والسفلي للنول، وتكون المسافة بين الخيوط المسدلة حسب صنف السجادة المراد حياكتها، فمثلاً صنف 300 يجب أن يكون هناك ثلاثون خيطاً متجاوراً كل عشرة سنتيمتر من عرض السجادة، وهذه الخيوط هي التي ستعقد عليها خيوط الصوف، والتي نسميها بعملية "المعاكسة" و"تدخيل المساطير"، والتي تبدأ بتعليق عدة "كبب صوفية" من ألوان مختلفة فوق رأس العاملة، والتي تقوم بسحب هذه الخيوط حسب اللون، والنقش، لتنزيلها على أرضية السجادة، حيث نقوم العاملة بقطع قسم من الخيط الصوفي ولفه بشكل "عقدة" على الخيوط القطنية المسدلة من الأعلى، وعند الانتهاء من كل دور على عرض السجادة، تدخل خيوط صوفية رفيعة وغليظة لزيادة تماسك "العقد" ثم تدق جميعها وترص بواسطة الضرب "بالمشط"، ثم يتم قصها بالمقص حتى تتساوى مع الأرضية، وبعد انتهاء عملية الحياكة التي قد تستغرق حوالي ثلاثة أشهر من العمل المتواصل يتم قطع السجادة عن النول، و "تربد" أطرافها بالأيدي وتنظيف بشكل جيد».

ثم التقينا الأستاذ "محمد بازو" رئيس دائرة التنمية الريفية في مديرية شؤون "حماة"، والذي تحدث عن هذه الصناعة، فقال: «نملك حالياً في "حماة"، وحدتين لصناعة السجاد اليدوي المصنوع من "الصوف الحر" مئة بالمئة، في منطقة "عقرب" و"حربنفسه"، ويعمل بها أربعة وعشرين عاملة كلها على أنوال يدوية».

الحياكة على النول

وعن مواصفات السجاد اليدوي يتابع قائلاً: «هي المتانة والقوة والعمر الطويل، وكل سجادة مصنوعة باليد تعتبر تحفة فنية حقيقية نظراً للدقة في حياكتها، فالعاملة تضع لمساتها الخاصة، ولاسيما الأصناف العالية من السجاد اليدوي كالجداريات الصغيرة التي تستخدم للأغراض التزيينية والتراثية، ويمكن القول أن وحدات صناعة السجاد تنتج عدة مقاسات حسب الطلب، ويتركز معظمها في مساحة ستة أمتار أو تسعة أمتار أو جداريات صغيرة بمساحة واحد متر».

ويوضح الصعوبات التي تواجه صناعة السجاد بقوله: «تعاني صناعة السجاد اليدوي من الموت بسبب عدم وجود سياسة تسويقية جيدة، الأمر الذي أدى إلى خفض الإنتاج وعزوف العمال عن العمل، حيث أنه وخلال الخمس سنوات الماضية تم توقيف تسعة وحدات لصناعة السجاد بشكل كامل في محافظة "حماة"، لعدم توفر اليد العاملة، وضعف التسويق، وبسبب المنافسة غير المتكافئة مع السجاد الآلي الأرخص من حيث السعر، وقدرة تسويقية أفضل، إضافة إلى ارتفاع سعر كيلو "الصوف الحر" والذي يصل إلى 350 ليرة، وارتفاع أجرة اليد العاملة، والتي تقدر بحوالي 8600 ليرة لحياكة المتر واحد، وهو برأيي أجر عادل، لأن صناعة متر الواحد من السجاد اليدوي، قد تستغرق شهر تقريباً إذا كان من الصنف العادي، أما إذا كان من الصنف العالي لا تسطتيع العاملة إنتاج أكثر من نصف متر».

"محمد بازو" رئيس دائرة التنمية الريفية في مديرية شؤون "حماة"

وعن أصناف السجاد يحدثنا "محمود منصور" رئيس الوحدة الإرشادية لصناعة السجاد في "عقرب" قائلاً: «نحن ننتج أربعة أصناف: الأول يسمى "صنف ثلاثمئة" نسبة إلى عدد عقد الخيوط في المتر والتي تبلغ 300 عقدة، حيث يصل سعره إلى خمسة آلاف ليرة سورية، أما الصنف الثاني ويسمى "صنف 400"ويصل سعر المتر تقريباً إلى 7800 ليرة، والصنف الثالث فهو "صنف 500 " وسعر متره المربع 1144 ليرة، أما الصنف الرابع هو "صنف 600 " وهو أرقى أصناف السجاد ويصل سعر متره تقريباً إلى 15500 ليرة».

في النهاية.. كيف لنا أن نحمي هذه الصناعات من التلاشي، لماذا لا نقف معها في تحديها لكل ملامح العولمة الصناعية التي لم تقدم لنا سوى الشكل دون المضمون، وإن كان السعر يناسب أكثر الجيوب، ولكن لا نريد أن تصبح مثل هذه الصناعات اليدوية ضرباً من التراث.