يعتبر سوق "الناعورة" الذي يقع في نهاية أسواق "حمص" القديمة من ناحية الشرق، من أشهر الأسواق الشعبية في "حمص" حالياً، وقد جاءت تسميته من ناعورة الماء الوحيدة التي كانت في مدينة "حمص" والتي تم إنشاؤها عام /1712/ حسب ما ذكر لنا الباحث التاريخي المهندس "نهاد سمهان"، والذي قدم لنا إيضاحاً عن بدايات وغرض تشييدها فيقول:
«أقيمت الناعورة على الساقية "المجاهدية" التي كانت تأتي من منطقة "الغوطة" إلى شارع "عبد الحميد الدروبي" ثم إلى شارع "أبي العلاء المعري"، وتمر قرب غرفة التجارة لتصل إلى موقع "الناعورة" التي كانت ترفع جزءاً من مائها إلى قناةٍ تذهب إلى التكية "المولوية" ثم إلى الجامع "النوري الكبير" وبعده إلى حمام "الباشا"، أما الساقية الأساسية "المجاهدية" فتنعطف بعد الناعورة شمالاً وتذهب إلى "جورة الشياح" والمناطق المنخفضة من البساتين».
في العقد الثالث من القرن العشرين قامت بلدية "حمص" بتنظيم المنطقة بعد الاستغناء عن وظيفة الناعورة وفتح شارع "أبي العوف" إلى ساحة "باب السوق" و"ساحة الساعة العتيقة"، وقسمت الأرض إلى مقاسم حيث شُيِّدت الأبنية الحالية مقيدة بحدود التنظيم الجديد، فبني فندق "رغدان" والأبنية والمحلات والأسواق القائمة حالياً وسميت المنطقة باسم سوق "الناعورة"
وأضاف "سمعان": «في العقد الثالث من القرن العشرين قامت بلدية "حمص" بتنظيم المنطقة بعد الاستغناء عن وظيفة الناعورة وفتح شارع "أبي العوف" إلى ساحة "باب السوق" و"ساحة الساعة العتيقة"، وقسمت الأرض إلى مقاسم حيث شُيِّدت الأبنية الحالية مقيدة بحدود التنظيم الجديد، فبني فندق "رغدان" والأبنية والمحلات والأسواق القائمة حالياً وسميت المنطقة باسم سوق "الناعورة"».
وعن قصة استبدال الناعورة الخشبية ووضع ناعورة معدنية ومن ثم إيقافها عن العمل وإزالتها، يقول المهندس "سمعان": «كانت الناعورة مصنوعة من الخشب منذ زمن إنشائها، ويقال إن نجارِين حمويين كانوا يشرفون على صيانتها وتشغيلها لخبرتهم الواسعة في هذا الشأن، إلا أننا وجدنا في كتاب يوميات المطران "أثناسيوس عطا الله" مطران "حمص" للروم الأرثوذكس ما بين عامي /1888/ و/1891/ أن النجار "خليل الحائك" اللبناني كان يشرف مؤقتاً على دولاب الناعورة.
كانت كلفة صيانة وتشغيل الناعورة باهظة نسبياً، وتشكل عبئاً ليس بقليل على البلدية ذات الميزانية المتواضعة، وقد ورد في العدد ثلاثين من جريدة "حمص" عام /1920/ أن كلفة صيانة الناعورة كانت أربعين ديناراً سورياً سنوياً أي ما يعادل ثلاثمئة وثمانين ألف ليرة سورية اليوم، وكان ذلك بسبب ندرة الخبراء بهذا الشأن في "حمص"، لذلك قامت البلدية في العقد الثالث من القرن العشرين بتكليف أحد الحدادين الحمصيين من آل "الدالاتي" باستبدال عناصر الناعورة وتصنيعها من المعدن في سابقة فريدة من نوعها لكن الزمن لم يسمح بتبيان مدى نجاح هذه التجربة إذ تم الاستغناء عن خدمات ناعورة "حمص" اليتيمة بعد فترة وجيزة».
وللتعرف على بدايات نشوء سوق "الناعورة" وماذا كان يباع فيه التقينا السيد "جورج فارس جقليص" من أكبر تجار سوق "الناعورة" سناً، فهو من مواليد /1928/، وقد نشأ وترعرع في هذا السوق منذ العام /1942/ ولا يزال يعمل إلى اليوم في إدارة شركة المرحوم والده للألبسة القطنية، يقول: «كان هذا السوق في البدايات عبارة عن شارع صغير فيه جامع وحمام صغير، وبعض المتاجر الصغيرة لآل "حجو"، وآل "ادريس"، وآل "الأخوان"، وآل "عبد الدايم"، وكان فيه ساحة يباع فيها السمك، وكانت تغلب على السوق تجارة الألبسة والقماش، إضافة إلى الصناعات اليدوية السورية الأصيلة، وأذكر أن سيارات التجار من خارج "حمص" كانت تأتي منذ الصباح الباكر للتبضع ومن ثم العودة إلى مناطقهم، وهو بدأ سوقاً شعبياً يناسب ذوي الدخل المحدود، وبقي إلى اليوم محافظاً على طابعه الشعبي».
السيد "جميل السقا" تاجر أيضاً من سوق "الناعورة" لديه متجر أحذية منذ عام /1974/ يقول: «هو أول سوق حضاري تم إنشاؤه بحمص بعد الأسواق الأثرية القديمة، وكان كل من يأتي إلى "حمص" من المناطق المجاورة يقصد هذا السوق، الذي يتميز بتنوعه ورخص ما يباع فيه، وعندما افتتحت متجري لم يكن في كل السوق سوى أربعة متاجر للأحذية، لكن الحال تغير اليوم وازداد عدد المتاجر بكافة أنواعها، وقد كان يتميز بكثرة عدد المطاعم الشعبية التي فيه وكذلك الفنادق، لكن تراجع عددها اليوم، وافتتحت متاجر جديدة للألبسة والأدوات الرياضية، والألبسة الجاهزة، وللأجهزة الإلكترونية والتقنية، إضافة إلى بعض العائلات التي تسكن فيه».
