كثيرةٌ هي الحكايات الشعبية التي كان أبطالها النجوم، وكثيرة هي الأشعار التي زين ليلها النجم، فهو صديق المسافر ومؤنس المغترب وطالما قال الغريب: «هذه النجوم فوق بيتنا الآن».
ومع ما وصلت إليه الحضارة من تقنية، أمسى النجم صديقاً منسياً للإنسان من حيث إنه لا يراه إلا من نوع الصدفة، ولا يعرف الآن أسماء بعض النجوم إلا المتخصصون في مجالي الطبوغرافية والفلك، وإذا ما استعرضنا بعض جوانب الفلكلور فإننا نجد للنجم صورةً بارزةً كما هو حالها في السماء المظلم لا سيما في الشعر. فقد كان دليل الشاعر إذا ما ضل الطريق، وشريكه في الأسى.
فنجده في لون "الموليا" المؤنس والسبيل للمواراة والإيحاء، فعندما يقول الشاعر بأنه يسير في "البادية" ونجم "سهيل" أمامه، فهذه قرينة على أنه كان في الشمال وقصد الجنوب:
أركب لجية الفحل وشـدادها شامي/ أمشي مع البادية وسهيل جدامي
لمن قالوا لي رحل مردوع الوشامي/ ضحاح خدو لعج برق الهريفيه
ونجده في جانب أخر يلهو بعد النجوم سالكاً بذلك سبيل الصبر، فيعدها عقداً عقداً:
ظليت أعد النجم عشرة بثر عشره/ لمن لقيت الهنوف التفهم العشره
يصدر خية الوالد يتمر بقشــره/ الجايبينو جلب تجار ديـــرية
وما برحت النجوم أن تكون دليلاً يستهدى به:
عيف المنازل ولا لك بالملا ناشد/ وافتح فجوج الخلا وبسيمة الراشد
حط النعايم على يمناك والراكـد/ ولوذ بيمينك على الصوبه الشمالية
وقد يكون غياب النجم موعداً لرحيل الحبيب:
لي سار نجم السما تيسر وسار/ أمسي وأخف الجدم وآخذ باليسار
لي حبيب مضى أسمـه باليسار/ يهلـن دموعي على لـذة معانيّه
وفي لون "النايل" تبدو النجوم ملتهبة كقلب الشاعر، الذي يطيب له المسير نحو الحبيب مشياً على الأقدام:
النجمة الشعشعت تلهب لهيب حشاي/ يزين قصد الولف لى جيتهم مشاي
وفي جانب آخر تبدو عيون الحبيب كالليل الأسود، لكن خدوده كضوء نجم "سهيل":
عيونو جما الليل.... خدو كلميع سهيل/ ضامر ياولف القلب كالجافلة من الخيل
وتبدو النجوم خجولة إذا ما ظهر الحبيب بحسنه"
السهيل صد واختفى والقمر غاب بساع/ خجلان من طلعتوه من أم العيون وساع
لكن الشاعر بانتظارها لأنها تحمل أخبار الحبيب المفقودة:
كواكب بالسما مساهر وأنا أتناها/ مسيرها من الولف بلكي نتلقاها
ثم لا يلبث أن يطلب من "بنات النعش"، نجوم "الدب الأكبر"، أن يهبطن إلى الأرض ليشاركنه الحزن:
ياشايلات النعش حدرن علي بالقاع/ يابايعات الحزن بس لدليلى نباع
وبقيت النجوم محسودة في عيون الشاعر لأنها متناثرة فوق منازل الحبيب:
مسعد ياذاك النجم الفوقهم منثور/ يدموع عيني جرن أزود من الخابور
أما في لون "اللكاحي"، فيبدو الشاعر بصراع مع النجوم، فهو يريدها أن تغيب عنوةً، لأن خدود الحبيب تحمل أنوار النجوم المشعة:
كل النجوم غيبتو ألا الجدي عصاني/ خدك نجوم الثريّا والسهيل والميزان
ولا يلبث الحبيب الذي يشبه النجم "الساري"، والذي أشرف على الغياب أن يكون الحبيب المرجو دائماً:
شوقي يانجم ساري حدّر على مغيبو/ ابن العرب شندلني ياريتني نصيبو
وبذلك نجد النجوم، وقد بدت بين كلمات الشاعر الفراتي متلألئة كالدر، وقد بدا الشعر كالفرات الذي تسبح النجوم فيه في ليل خريفي هادئ، وهي ترمي بأنوارها على شجيرات الطرفاء، وأشجار الغرب وتلك الضفاف التي سكنها أهلها نهاراً وهجروها ليلاً ليتركوا "الفرات" يصدح بأغانيه ويردد أناشيد الخلود.
المراجع:
1ـ "شعراء الموليّا في القرن العشرين"، تأليف "محمد الموسى الحومد"، دار "الغدير"، "السلمية" عام /2000/.
2ـ "قبسات من الشعر الفراتي"، لمؤلفه "محمد الموسى الحومد"، دار "الصفدي"، /1995/.
