تحدثنا في مقال سابق عن الدورة الخامسة لمهرجان "العجيلي" للرواية العربية الذي أفتتح في "الرقة" في السابع من كانون الأول /2009/ وانتهى في العاشر منه، ورأينا أنها تشكّل علامة فارقة فيما أسميناه بموت الناقد، أو نعيه..!
وما يجعلها علامة فارقة أيضاً أن أحد نقاّدها قارف إثم إطلاق الأحكام المعيارية, وصرّح بأنه لا يرى في ذلك منقصة أو مذمة, كذلك تم اختبار الواقعية السحرية التي كان لها أثراً بالغاً على فنيات السرد التي سادت المنطقة العربية خلال عقدين من الزمن.
رأيت قوماً يتكلمون بكلامٍ من كلامنا، وليس من كلامنا..
وسنتناول هذا من خلال دراستين قدمتا في المهرجان، الأولى للدكتور السوري "جهاد نعيسة" بعنوان: "قراءة في سرود ممدوح عزام الروائية"، والثانية للدكتور اليمني "عمر عبد العزيز" بعنوان: "السرد العربي المعاصر، الواقعية السحرية أنموذجاً".
الواقعية السحرية.. و"ماركيز"..
لابد أن نبسط حديثنا عن الآداب الروائية في أمريكا اللاتينية, مع ملاحظة البعد الغرائبي الذي مثل "ماركيز" أنموذجه الأكثر سطوعاً وحضوراً, ولابد من الإشارة إلى مسائل تشكل مقدمات لمعنى الاختيار, ومنها: يتصل الأدب المكتوب بالإسبانية في أمريكا اللاتينية بالثقافة الإسبانية العالمية, وهي ذات صلة أكيدة بالثقافة العربية الإسلامية.
وهذا الأدب يتواشج مع الثقافات الدينية والحياتية ذات الصلة بتاريخ العرب ومثالها المرقوم في "ألواح الغيب"، و"ألف ليلة وليلة". إلا أن تيار الواقعية الذي مثله "ماركيز" لم يقف عند تخوم تلك المقدمات، بل قدم نموذجاً سردياً تفاعلياً.
فما هو شكل التماهي الفني الأدبي مع تيار الواقعية السحرية، وهل كان تماهياً إيجابياً أم سلبياً؟ وهل نحن شركاء أصليين في صنع الجديد أم لا؟
وهل نلمس مثل هذه الأبعاد في سرديات ما بعد الرواية الكلاسيكية العربية؟ ما هي هذه الأبعاد؟ إنها تعاميم جمالية قدمها "ماركيز" من خلال ملحمته الفنية الكبرى، أي من خلال أعماله، وهي:
ـ النص السردي لا يستقيم خارج الثقافة العالمة المسحوبة بموهبة ومعرفة بفنون الكتابة وأبعادها.
ـ النص السردي فن للفنون الممزوجة.. له أن ينثر الشعر ويُشعر النثر، أن يموسق النص، يدوزن الصورة، وأن يجد ذاته وهي خارج خصائصه أيضاً...!
الدهشة.. الصدمة.. التعبيرية..
ـ النص السردي كلام متأدب لكنه مثل ذلك الكلام الذي قال عنه الأعرابي: «رأيت قوماً يتكلمون بكلامٍ من كلامنا، وليس من كلامنا..».
ـ السارد ليس كاتباً فحسب، بل سينمائي وتشكيلي وشاعر وموسيقي، بل حرفي تفصيلي يتذوق الفنون.. ليس مطلوباً منه أن يبدع خارج أدواته..
إن الناقد "عمر عبد العزيز" لا يقدم أجوبة، إنما أسئلة.. ويرى أن الإجابة عنها، تحتاج بعد تحديد الأبعاد السردية في الواقعية السحرية، للعودة إلى الروايات المتأثرة بتيار هذه الواقعية لتستطيع الإجابة عن الأسئلة التي طرحها.
عشق "نعيسة" المتعصّب...!
الدكتور "جهاد نعيسة" بدأ ليس من النموذج العالمي للواقعية السحرية، وخاصة بتجلياتها في أعمال "ماركيز"، إنما بدأ بقراءة روايات "ممدوح عزام" الأربعة.. ثم استخلص مزاياها.. وبحث عن مرجعياتها.. وبهذا فإنه لا يقول: «إن "ممدوح عزام" انطلق من الواقعية السحرية..». بل يعيده إلى الأصول: "ألف ليلة وليلة"، و"مقامات الحريري"، و"مقامات الهمذاني"، و"البخلاء" و"الإمتاع والمؤانسة"، وهذه الطريقة فيها التفاف على الحقائق، ربما عاد "ممدوح عزام" إلى هذه الكتب، ولكن تحت تأثير الواقعية السحرية، وليس من أجل استخلاص أبعاد جديدة في السرد، تم استخلاصها، فالتيار المذكور متكامل.. ومن عادوا إلى "ألف ليلة وليلة" وإلى أساليب السرد القديم عربياًً أنتجوا أعمالاً مختلفة. كما فعل "توفيق الحكيم" في شخصية "شهرزاد"، و"نجيب محفوظ" في "ليالي ألف ليلة"، و"جمال الغيطاني" حين تبنّى أساليب السرد القديم لنقد قضايا معاصرة في "الزيني بركات" مثلاً..
يتحمس الناقد للروائي فيقول: «يبدو "ممدوح عزام" الذي انبثق فجأة في سماء الرواية السورية قبل عشرين عاماً، وتقدم بقوة الموهبة الأصيلة وحدها، بخطواته الواثقة إلى واجهة المشهد الروائي العربي الذاكرة الخصيبة، اليقظة، والخازن الأمين لوقائع وأوجاع الجنوب السوري ..».
ويعتبر قلة أعمال الروائي ـ أربع روايات ـ قرينة نمط ممارسة روائية تستحق التقدير، وتلك الأعمال الأربعة تحضر بقوة القيمة الإبداعية جنباً إلى جنب مع الإبداعات الروائية للفلسطيني الراحل: "إميل حبيبي"، والروائيين المصريين "صبري موسى"، و"يوسف زيدان"، والروائيتين اللبنانيين "حنان الشيخ" و"هدى بركات".
ثم يلخص الناقد ما يتواتر في تجربة "عزام" الروائية من الجماليات والقضايا التي تمنح نصوصه وحدة فكرية وبنائية، وهي:
ـ مركزية الحكاية وصباغها المحلي: حيث تتوالد الحكايات... ما يعيدنا إلى النهج السردي لألف ليلة وليلة، التفريع والتناسل الحكائي..
ـ إن الأسطوري والمعتقدي المحلي يدفع التقاليد السردية وتأثيراتها إلى مواقع البناء العجائبي لأعمال "ماركيز" أو سواه، وهو أحد أبرز المؤثرات الروائية الخارجية في تجربة "ممدوح عزام".
يعترف الناقد بتأثير "ماركيز"، ولكنه يحاصر هذا التأثير قائلاً: «إن أعماله تخضع لتخليق وتعريبٍ خاصين وحاذقين ومشبعين بالنكهة المحلية»، ويجزم بأن: «مقومات الأصالة هي الحاضرة».
ـ مرارات مضحكة، السخرية والتهكم، النظر إلى مآسي الحياة من جانبها الملهاوي يجعل الحياة ممكنة، ويعدد "مقامات الهمذاني"، و"مقامات الحريري"، و"البخلاء"، و"الإمتاع والمؤانسة"..
مع أن تلك من خصائص "الواقعية السحرية"، لكن الناقد لا يرى "ماركيز" هنا أبداً ولا يذكره، إنما يحيل إلى "رابليه" الذي لم يعرف روائياً إلا متأخراً حين ترجمته وزارة الثقافة السورية، ثم ينفي أن يكون هو مصدر "ممدوح عزام"، بل مصدره هي الكتب العربية التي ذكرناها آنفاً..!
والحقيقة أن هذه الخاصية من أبرز خصائص "ماركيز"، وأن طريقة الدكتور "نعيسة" لا أقول ليست نزيهة، أو متعصبة، وإنما محبّة، وهذا الحب هو الذي جعلها تلوي أعناق الحقائق أحياناً..!
ـ الحضور المتألق للشخصية الإنسانية "روايات شخصيات".
ـ جغرافيا موازية وتواريخ مستعادة، ويرى في هذا المجال نهج "فوكنر"، ونهج "ماركيز" (ماكوندو)، ونهج "جويس" في "أهالي دبلن"، ولكنه لم يذكر نهج "يونسكو"، وهو أحد أهم المؤثرين في "ماركيز" (العزلة ـ العبثية).. فالغاية هنا تعدد التأثير، مع أن هؤلاء جميعاً توحدوا في "ماركيز"، ثم أعادهم متحدين..!
ـ جدل العامية والفصحى: يقيم تفاعلاً خصيباً بين العامية والفصحى، والجدير بالذكر أن الخصائص، أو الأبعاد، أو القضايا التي استخلصها الناقد كلها من أبعاد الواقعية السحرية، بل هي خصائص "ماركيزية" بامتياز.. ولكنها لا تعيب الكاتب، وإن لم يأخذها عن "ألف ليلة وليلة" مباشرة، بل عبر الوسيط "الماركيزي" لأنه أخذ من هذا ما يتوافق أو يتناسب مع واقعه...!
الأحكام المعيارية:
انحاز الناقد إلى جانب الروائي، وحاول أن يقول بأن سرده ملتقى تيارات كثيرة، لكنها لم تؤثر على أصالته.. هذا الانحياز تجلى في حماسته المنقطعة النظير التي جعلته يطلق أحكاماً معيارية كثيرة، ظهرت فيما استعرضناه من مقالته سابقاً، فالدكتور "نعيسة" خرج من أكاديميته، كما خرج من حداثيته المفترضة ليشهد لـ"ممدوح عزام"، وأقول ليشهد لأن أقواله اتسمت بالحماس والانفعال وضجت بأحكام القيمة التي يعتبرها النقاد مذمة ومنقصة يجب ألّا يقاربها النقد الحداثي، فهي تكاد تكون كفراً..
اعترض أحد النقاد مهاجماً أحكام القيمة التي أطلقها "نعيسة"، الذي يتحدث عن أقصى التألق، كما لو أن سرد "ممدوح عزام" مطلق، وهذا غير ممكن في الأدب الذي لا يكتمل أبداً، فهل هذا المديح يغلق روايات "عزام" ويجعلها كاملة..؟!
لكن "نعيسة" قال باعتزاز: «أنا لست مرتهناً للبنيوية ولا غيرها، وأنا حريص على إطلاق الأحكام المعيارية التي أرى فيها ضرورة لا عيباً.. وهذا الموقف من الناقد أعجبني كما أعجب كثيرين، فما المانع أن يكون النقد انطباعياً لكنه عميق..؟!».
أين ذهبت تلك المتعة في القراءة التي تدفعنا دفعاً إلى أن نصرخ فرحين: ممتاز..! رائع..! يا إلهي..! لنعبر عن أقصى الطيش، بل أقصى الإعجاب؟ وأقصى الإعجاب ليس فعلاًٌ يأتيه القارئ وحده، بل يأتيه الناقد أيضاً، ومثاله الدكتور "جهاد نعيسة"..
بالرغم من وجود أحكام القيمة فيما كتبت، فإن ما قمت به هو اجتهاد على اجتهاد، والاجتهاد يحترم نفسه كما يحترم اجتهاد الآخرين، وبالتالي فإنه لا يشرّع لنفسه فقط، وإنما يشرّع لكل اجتهاد، مما يُبقي الباب مفتوحاً لممارسة الحوار والتعددية الحقيقية..
