اعتمد مفهوم التجارة منذ القديم على مبدأ الصدق والأمانة، وكان العرب سباقون لتكريس تلك المفاهيم النبيلة في مدنهم وقراهم وسلوكهم التجاري، وهذا ما جعل علاقاتهم تتزايد فيما بينهم متجاوزين الحدود الجغرافية، متبادلين الثقة، فإذا ما أتى تاجر إلى مدينة وطلب من الآخر طلباً يكون طلبه مجاباً دون تراجع كما حدث مع المرحوم "يحيى سرايا" الملقب "أبو حسن" قبل ستين عاماً.
الحادثة يرويها إلى موقع eSuweda المهندس "علي فلحوط" مدير عام مؤسسة المياه "بالسويداء"- رئيس جمعية الرعاية الاجتماعية سابقاً، وهو متقاعد لتجاوزه العقد السابع من العمر، يعمل على البحوث التراثية والتاريخية، والمعاصر لصاحب الحادثة حيث قال: «كان المرحوم "أبو حسن" من التجار المعروفين في "السويداء" وله علاقات واسعة مع تجار "دمشق"، وفي أحد الأيام وقبل ستين عاماً بل أكثر جاءه ضيف من تجار "دمشق"، ناسياً محفظته المتضمنة أمواله تحت فراشه "بدمشق"، وأقام في منزل المرحوم "أبو حسن يحيى سرايا" مدة أسبوع قاصداً شراء بضاعة وحاجات وذلك في اليوم الثاني من إقامته وبعد أن حدد ما يريد شراءه قال لمضيفه: "أخي "أبو حسن" يبدو أنني نسيت محفظتي تحت فراشك وفيها خمس وعشرون ألف ليرة سورية"، ولأن المحفظات سابقاً كانت مصنوعة من الجلد فهي ثابتة الصنع بين التجار، على الفور قال له "أبو حسن": "تكرم عينيك هاك خمساً وعشرين ألف ليرة سورية بمحفظة، قد وجدتهم أختك "أم حسن" تحت الفراش، أخذ البضاعة وذهب عائداً إلى "دمشق" وعندما وصل إلى المنزل استقبلته زوجته قائلة: "كيف تذهب لتشتري بضاعة ومحفظتك تحت فراشك بالمنزل، صاح في وجهها ماذا تقولين؟ ضرب على كفه ولطم على خده وقال: "شو عملت مع أخي أبو حسن"».
حقيقة لم نسمع بتلك الحادثة من المرحوم الوالد بل بعد وفاته علمنا بها عن طريق أبناء جيله وفي موقف عزائه حصراً، وهذا ما زرع في نفوسنا الغبطة، خصوصاً عندما يأتي ذكره في محفل اجتماعي، فإننا نرفع بهاماتنا عالية لأمانة والدنا، واضعين أمانته نصب أعيننا كي نحذو حذوه في طريق الصدق والصلاح
وتابع المهندس "علي فلحوط" حديثه عن أمانة التاجر الدمشقي قائلاً: «لم ينم في منزله تلك الليلة بل ذهب إلى وجهاء "دمشق" وتجارها المعروفين يعرض عليهم ما حدث معه، وتوصل إلى اقتراح أن يذهب مع بعض الوجهاء مصطحباً معه ذبيحة إلى منزل "يحيى سرايا" بالسويداء، وعندما وصل إلى منزل "أبو حسن يحيى سرايا" وقف أحد الوجهاء وقدم له المبلغ والاعتذار وناشده بالله أن يقول لماذا دفع له المبلغ وهو بريء منه، "أبو حسن" بدوره كان مدركاً وصاحب منزل عامر لم يقبل بذبيحة واحدة بل ذبح لضيوفه الذبائح العديدة ودعا على شرفهم أهل مدينة "السويداء"، ومن أجل الإجابة عن السؤال الذي وجه له قال: «ضيفنا جاء وفي ذهنه أن المال في محفظته ولا يمكن أن يخرج من منزله قاصداً الشراء دون ذلك، وإذا قلت له غير ذلك يعني أنني خالفت الأمانة المعهودة أمامه وأصبحت غير أهل لاستقبال الضيف، ولن يصدقني، وبالتالي تكون أمانتنا وصداقتنا التي بلغت من العمر عقوداً ذهبت سدى وهذا ما لم يرض به أهلنا وأجدادنا، ولهذا قدمت له المبلغ وأنا على ثقة أن ضيفي عندما يعود إلى منزله سيدرك موقفه، والبرهان واضح هي تشريفكم لمنزلكم الصغير، وأنا بدوري أحمد الله على هذا الموقف الذي جعلنا نرى هذه الوجوه الطيبة، مرحباً بكم وبقدومكم ولتبقى تجارتنا عنوان أمانتنا».
الابن الأكبر الأستاذ "حسن يحيى سرايا" أوضح قائلاً: «حقيقة لم نسمع بتلك الحادثة من المرحوم الوالد بل بعد وفاته علمنا بها عن طريق أبناء جيله وفي موقف عزائه حصراً، وهذا ما زرع في نفوسنا الغبطة، خصوصاً عندما يأتي ذكره في محفل اجتماعي، فإننا نرفع بهاماتنا عالية لأمانة والدنا، واضعين أمانته نصب أعيننا كي نحذو حذوه في طريق الصدق والصلاح».
