"محمود محفوظ سمور" الكاتب التاريخي السوري الذي مزج لقمة عيشه مع كتاباته، سافر وتعلم وكتب إلى أن وصل لهدفه الأسمى وهو كتابة التاريخ بدون تدخلات عاطفية أو اجتماعية، خلط بين فكره الماركسي وأفكاره العربية وقدم لقرائه كتباً تختصر مسيرة أبحاثه التاريخية.

الملخص: "محمود محفوظ سمور" الكاتب التاريخي السوري الذي مزج لقمة عيشه مع كتاباته، سافر وتعلم وكتب إلى أن وصل لهدفه الأسمى وهو كتابة التاريخ بدون تدخلات عاطفية أو اجتماعية، خلط بين فكره الماركسي وأفكاره العربية وقدم لقرائه كتباً تختصر مسيرة أبحاثه التاريخية.

أنا أنظر إلى تاريخ حياتي مثلما قال الكثير من الكتاب الكبار، ولو خير لي أن أعيش حياة أخرى لما اخترت غير هذا الطريق بآلامه وحرمانه، وما أعتز به أني لم أكن على هامش الطريق بل كنت في القطار، ومع المشاة، وفي منتصف الطريق

موقع "eSyria" التقى بالكاتب التاريخي الأستاذ "محمود محفوظ سمور" الذي تحدث لنا عن بداياته وممارسته للكتابة: «ولدت 1938 تربيت في "جيرود" وتعلمت في مدارسها حتى عام 1950ثم أكملت الإعدادية في "النبك" وذلك لعدم وجودها في "جيرود"، وفي عام 1953 أكملت الكفاءة في "جيرود" ودخلت دار المعلمين الإبتدائية إلى أن تخرجت منها معلم مدرسة عام 1959حيث كان يوجد في ذلك الوقت قانون يقول إن أي معلم يتخرج حديثاً يجب أن يخدم خارج المحافظة، فذهبت إلى "حوران"، وهناك بقيت أعمل في التدريس في تلك المنطقة الغنية بالأشجار والينابيع مدة عامين، وفي عام 1961عدت إلى منطقة "القلمون" ودرست في مدرسة "عكوبر" التي أنشأتها بنشاط خاص وبتبرع من أهالي "عكوبر" وحتى الآن مازالت هذه المدرسة موجودة، ثم عدت أدراجي إلى "جيرود" حبيبتي الأبدية، وتم نقلي من هنا إلى هناك لأسباب محلية قروية بين المعلمين».

محمود سمور وهو يوقع لنا على أحد كتبه

يكمل "سمور" وذاكرته العميقة والنشيطة ترجع إلى تلك الأيام: «في عام 1976صدرمرسوم بإسمي وباسم كثير من المعلمين التقدميين اليساريين بنقلنا إلى غير وزارة، وكان نصيبي وزارة الصحة، فعملت مديراً إدارياً لمشفى "دوما" الجراحي، لكني وسعياً وراء إعادة اعتباري في قضية التعليم تقدمت بطلب للعودة إلى مجال التعليم هذا من الناحية الوظيفية، أما من النواحي الأخرى الأكثر تأثراً في حياتي فكان بعد تخرجي من دار المعلمين حيث قدمت إلى الجامعة ودرست قسم "التاريخ", وتخرجت عام 1967».

عن الكتابة التاريخية التي أخذت الجزء الأكبر من حياته يقول "سمور": «بعد التقاعد حاولت أن أمارس هوايتي المفضلة وهي الكتابة في التاريخ عبر توثيق الأحداث في "جيرود" وبدأت قبل التسعينات من القرن الماضي بكتابة ذلك، وهذا العمل البكر أخذ مني جهداً كثيراً لأنني كنت ناقماً على كتابة تاريخنا الماضي لأنه مزيف، لقد كان في خدمة السلطان وخدمة المال وتحت إغراءات أخرى، كنت متمسكاً أكثر بموضوع النزاهة في الكتابة، كما كنت أعمل تقاطعاً لأكثر من رواية ولأكثر من راوي، فإذا تطابق مع المنطق التاريخي الذي أعيش فيه أثبته, ، وأنا مسرور بكتابي هذا لأنه أخذ مني الجهد الكثير حيث تطرقت في هذا الكتاب للقضية الثقافية من الناحية الفنية، صحيح أن الناحية الفنية قريبة من بعضها سواء في "النبك، يبرود، جيرود، والقلمون الفوقاني"، لكن هناك صلة فنية وأقوال وترديدات الأفراح والأعياد كانت متشابهة تماماً».

ليسانس في الأدب

يضيف "سمور": «حين أتت الدولة الحديثة بدأت الروابط السابقة تخف وذلك لسببين سبب موضوعي,، وآخر تطوري تاريخي، السبب الموضوعي أن هذا البلد كان يعيش على الزراعة، والنمط الزراعي يتطلب بين الناس علاقات اجتماعية لتساهم في تطوير الزراعة، ولأن الفلاح كان عاجزاً عن القيام بدفع الموسم لوحده كان بحاجة إلى تعاون الآخرين، من هنا نشأت العلاقات التعاونية في النظام الزراعي، إلى جانب وحدة الأسرة ووجود خصلة الكرم والاحترام، وعندما بدأت الزراعة تتأخر في بداية الخمسينات بدأنا ندخل بمرحلة انتقالية، حيث بدأت الهجرة وبدأ الدخل المحدود للأسرة، وهذا السبب الأساسي في تفكك الأسرة، وعندما ظهرالعمل في الصناعة بدأت تظهر استقلالية الفرد في الأسرة وتغير مفهوم المرأة ومفهوم الثقافة وذلك بتغير وسائل الإنتاج».

عن نتاجات "سمور" التاريخية منها والتوثيقية يقول: «لدي كتاب اسمه "القلمون والغوطة معاً في الثورة السورية الكبرى عام 1925"، أتحدث في هذا الكتاب عن قائمة من الثوار الذين استشهدوا، وكتاب آخر "المسألة السكانية في المجتمع السوري في ظل العادات والتقاليد والأفكار المتخلفة" أتحدث فيه غن الناحية الاجتماعية أكثر من الناحية التاريخية، أما عن مقالاتي في الصحافة فقد كتبت في "تشرين، الثورة، البعث" وفي الصحف الحزبية مثل جريدة "النور وقاسيون"، وهذه الكتابات كانت تتناول الروح النقدية فأنا مع النظام لكني نقدي جداً، كذلك كتبت عن الرشوة، ولي أيضاً مقالات اجتماعية عن المرأة، وتعدد الزوجات، وعن منشأ المجتمع الذكوري والأنثوي».

ابتسامة فكرية

توثيق التاريخ من أصعب الكتابات التي تواجه الكاتب، عن ذلك يقول "سمور": «إن كتابة التاريخ أصعب مما نتخيل وفيها مسؤولية كبيرة، وأنا كما تحدثت في بداية حديثي ناقم على تاريخنا المزيف، فنحن لانرى منه إلا الشيء الجميلع علماً أن بعض المؤرخين المسلمين كتبوا بموضوعية، ولا يمكن أن أنكر دور "الطبري" و"إدوارد سعيد"، فهؤلاء الكتاب كتبوا التاريخ العربي الإسلامي بعيداً عن الغنيمة والرشوة، نحن بحاجة إلى كتاب موضوعيين يبرزون التاريخ بطريقة صحيحة، وعلى الدولة أن تفسح المجال لكتابة التاريخ الحقيقي دون مراعاة لمزاجات الشعب المتدين أو المتعصب».

"سورية" لها تاريخ كبير في عالم الرواية والكتب التاريخية، وعن ذلك يقول: «طبعاً وبلا شك يوجد في سورية وفي "مصر" كتاب لهم أسمهم وكتاباتهم الكبيرة والمعروفة، ففي "مصر" يوجد كتاب فكر منهم "ناصر حامد أبو زيد"، "طه حسين"، "حافظ ابراهيم" و"الزيات"، ويوجد أيضاً فكر رهيب في "العراق" منهم "معروف الرصافي" و"صدقي الزهاوي"، هنا أود أن أذكر أنه يقول الكاتب الإيطالي "غرانتجي" أن المثقف نوعين مثقف تقليدي لايهمه المجتمع ويستطيع أن يحل أصعب معادلة في الرياضيات لكنه لايستطيع أن يحل مشكلته مع جاره، والنوع الثاني هو المثقف العضوي وهو الذي يكون في علاقة عضوية مع المجتمع يريد أن يفسر المجتمع ويغيره، ولايلتقي مع المصالح الشخصية لأنه يريد تغيير الواقع، نحن بحاجة إلى قول الحقيقة والحقيقة جمالها في عريها، وهنا أود أن أذكر أن سورية دولة لها بصمتها التاريخية أدبياً وتاريخياً وسياسياً».

الأدب له نقد والفن له نقد فهل هناك نقد للتاريخ في الوطن العربي، عن ذلك يقول "سمور" : «النقد في التاريخ وارد مثلما هو وارد في أي نتاج ثقافي وفكري آخر باعتبار أن التاريخ معرض للمزاجات، ومعرض لتحزب فكرة مسبقة الصنع، حيث هناك مبادئ أساسية لكتابة التاريخ، فأنت كمؤرخ إحذر نفسك أولاً، ثانياً لاتبيع نفسك، ثالثاً الموضوعية التي هي أساس كل عمل تاريخي، ثم إنك لاتستطيع أن تحمل حقائق مطلقة لأن كل الحقائق نسبية، أنت تكتب التاريخ ولو كنت نزيهاً وبعيداً عن المزاج مهما كان فأنت معرض لأن تخطئ بحق الآخرين. النقد في التاريخ ضروري».

كلمة أخيرة قالها لنا الكاتب "محمود محفوظ سمور" الباحث التاريخي السوري أوجزت مشواره مع التاريخ وتوثيقه: «أنا أنظر إلى تاريخ حياتي مثلما قال الكثير من الكتاب الكبار، ولو خير لي أن أعيش حياة أخرى لما اخترت غير هذا الطريق بآلامه وحرمانه، وما أعتز به أني لم أكن على هامش الطريق بل كنت في القطار، ومع المشاة، وفي منتصف الطريق».