في قرية "قرفيص" والتي تعلو 350 م عن سطح البحر في ريف مدينة "جبلة" نبتت تلك السنديانة المعمّرة ولعل السنوات الطوال التي تلفها شاهدة على سكن التاريخ بما فيه من أحداث تحت لحائها ولربما في نسغها.
"سنديانة الخيالة" شجرة معمّرة شهدت تاريخاً من النضال والمقاومة يبلغ عمرها أكثر من 250 عاماً، حيث يجتمع العشرات من أبناء القرية والقرى المجاورة حولها في تقليدٍ من تقاليد ليالي الصيف.
إنّ هذه العلامات كما روى لنا جدّي منذ زمنٍ طويل جاءت من زمن الانتداب الفرنسي، حيث أصبحت هذه الشجرة مكاناً لتجمّع الفرسان والخيّالة من أنصار الشيخ "صالح العلي" ورفاقه، وعلى اعتبار أنها في أعلى بقعة في القرية وتكشف السهل تحتها كاملاً، كانت نقطة علّام ولقاء إلى جانب كونها هدفاً دائماً لرصاص جند الفرنسيين وأعوانهم في تلك الفترة، حيث شهدت اشتباكات عديدة بين الثوار والفرنسيين، كما قُصِفت الأرض القريبة منها بالمدفعيّة أيضاً
موقع eLatakia زار القرية وغابة السنديان الكثيفة والتقى "علي خليل" وهو شاب من أبناء القرية يعمل بائعاً بالقرب من مكان وجود "سنديانة الخيّالة"، والذي روى لنا قصّة الثقوب والحُفر العميقة ذات الأحجام المختلفة والتي توجد على جذع الشجرة الثخين وبين أغصانها الممتدّة قائلاً: «إنّ هذه العلامات كما روى لنا جدّي منذ زمنٍ طويل جاءت من زمن الانتداب الفرنسي، حيث أصبحت هذه الشجرة مكاناً لتجمّع الفرسان والخيّالة من أنصار الشيخ "صالح العلي" ورفاقه، وعلى اعتبار أنها في أعلى بقعة في القرية وتكشف السهل تحتها كاملاً، كانت نقطة علّام ولقاء إلى جانب كونها هدفاً دائماً لرصاص جند الفرنسيين وأعوانهم في تلك الفترة، حيث شهدت اشتباكات عديدة بين الثوار والفرنسيين، كما قُصِفت الأرض القريبة منها بالمدفعيّة أيضاً».
"حسنة الرّكّاد" "أم فؤاد" وهي جدة في السادسة والسبعين من العمر من أبناء قرية الزهراء المجاورة تحدّثت عن قصّة تسمية "سنديانة الخيّالة" فقالت: «عمر هذه الشجرة كما قال أجدادنا في القرية أكثر من 250 عاماً، وهي على هذا الشكل منذ وقت طويل، وجاءت هذه التسمية قبل الفرنسيين، في أيّام الدّرَك أي فترة الاحتلال العثماني حيث اعتادت الدّوريّات التي تُدعى "الخيّالة" على ربط أحصنتهم بالقرب من الشّجرة والجلوس تحت ظلّها، وكان سكّان القرى يجتمعون هناك لسماع الفرمانات التي يصدرها السلطان ولسماع أسماء من تمّ تجنيدهم في "السفربرلك" ومن قُتِل في الحرب، ولذلك شهدت هذه السنديانة آلام الناس وأحزانهم وانتظارهم كما شهدت فرحهم وبطولتهم، وقد أصبح تقليداً من تقاليد القرية وأبنائها والمنطقة كاملةً أن يجتمع الشبان والشابات والعائلات في أيام العُطل هنا».
تشكّل أغصان سنديانة الخيالة الملتفة والمتشابكة لوحات فنيّة طبيعيّة كما تحمل أسماء ورموزاً وتواريخ حفرها عُشّاق ومسافرون وعن تلك الأسماء والرموز تُكمِل "أم فؤاد" روايتها: «أبناء قرية "قرفيص" والكثير من أبناء القرى المجاورة ما زالوا حتى اليوم يجتمعون بالقرب من سنديانة الخيالة، ويسهرون ليال طويلة تحت أغصانها، ويستظلون بفيِّها نهاراً، دون علمٍ منهم بما تحمله هذه الشجرة بين التفافات أغصانها من تاريخ وما شهدت عليه من أحداث، ولأنّ شجرة السنديان ترمز إلى طول العمر والصمود والاستمرارية فقد اعتاد العشاق والأحبة الالتقاء تحت أغصانها وحفر أسمائهم عليها ليتعاهدوا على الحب الأبدي والدائم وهو ما يرمز له شجر السنديان، كما يحفر المسافر اسمه عليها أملاً بأن يفي بوعده ويعود لأهله وأحبته».
