يعتبر الشرق مصدر كل سمو ثقافي وكل رقي مدني، ( lux ex oriente ) من الشرق يشعّ النور، ولعلّ المدن الميتة، أو كما تسمى خطأً (المدن المنسيّة) هي إحدى تلك اللمحات الحضارية التي تطول بها هاماتُنا، كونها تشكّل جانباً من ذلك الإرث الحضاري للإنسانية جمعاء.
تقع هذه القرى الأثريه من شمالي أفاميا، وحتى "قورش" "النبي هوري" على امتداد يصل حتى /150/ كم وعرض من /15-40/ كم، ويحدّها من الشرق طريق "حلب"- "دمشق"، وقد أقيمت هذه القرى على سفوح ووديان جبال الكتلة الكلسيّة بدءاً من جبل "شحشبو" مروراً "بجبل الزاوية" و"الوســطاني" و"باريشا" و"جبل سمعان"، وقد بنيت هذه القرى في الفترة الممتدة بين القرن /الثاني/ حتى /السابع/ الميلادي، وفي هذه القرى رقيّاً معمارياً وزخرفياً رائعاً تشهد عليها العمائر الدينية والمدَنية في تلك القرى.
ففي قرية "جرادة" التي تقع إلى الشمال من مدينة "المعرة" بـ/7/ كم كنيستان من الطراز البازليكي يعود تاريخهما إلى القرن /الخامس/ الميلادي.
أمّا ما يميز "جرادة" فهو أبراج التنسّك المرتفعة، فإحداها يقع في الحي الشرقي من المدينة، ويرتفع نحو /ثمانية عشر/ متراً، وهو مربع الزوايا ضلعه/5.5/م.
يتميز بوجود دورة مياه في الطبقة /الخامسة/ تبرز عن جدار البرج بـ/80/سم، وهذا البرج هو حالة متطوّرة لأبراج التنسّك التي ابتدعها القديس "سمعان العمودي" المتوفى سنة /459/م.
أمّا في قرية "الرويحة" والتي تقع إلى الشمال الغربي من قرية جرادة بـ/3/كم فهي من أجمل القرى الأثرية في الشمال السوري لما تمتاز به من غنىً معماري وفنّي وزخرفي.
تمتدّ هذه القرية الأثرية على مساحة شاسعة ومبانيها متنوعة من دينية إلى اقتصادية، كالمحال التجارية في وسط القرية (الآغورا) ومباني لدفن الموتى ذات تصاميم رائعة.
في هذه القرية كنيستان، الأولى تقع إلى الجنوب من القرية وتعود إلى القرن /الرابـــع/ الميــلادي، وهي ذات (أبهاء) ثلاثة وطراز (بازيليكي)، وتتكوّن من بهو الكنيسة وتنتهي من الشرق بالحنية ورواقين يقومان على صف من الأعمـدة الدائرية المقطعة والمتوجه بتيجان أيونية الطراز، وكان سقف الكنيسة الأوسط يرتفع منسوبه عن أسقف الأروقة، وذلك ليتمكن المعمار من فتح نوافذ للإنارة ولإتمام الطقوس الدينية المقدسة، وسقف البهو مؤلف من (جيزان) خشبية بشكل عرضاني تستند على جدران الأروقة وفوق (الجيزان) يوضع القرميد، ولهذه الكنيسة غرفتان مجاورتان للحنية وهما غرفة الذخائر والهدايا والأخرى (الدياكينيكون).
أما الكنيسة الشمالية في "الرويحة" فهي كنيسة "بيزوس بن بارادوس"، وهي ذات طراز معماري رائع وتشبه إلى حدّ بعيد كنيسة قلب لوزة، فقد أقيمت على صفيّن من القناطر كل صف ثلاث قناطر واسعة ارتكزت على قواعد مصلّبة الشكل وفي وسط الكنيسة يوجد (النارتكس) والحنية الى الشرق منها ولهذه الكنيسة مدخلان من الشمال ومدخل من الغرب وآخر من الجنوب.
وبجانب الكنيسة من الجنوب الشرقي غرفة مربّعة الشكل مقببة، دفن فيها باني الكنيسة، وقد كتب في صدر الغرفة (بيزوس بن بارادوس، أقمت حسناً، تجوّلت حسناً، ارتاح اليوم حسناً...صلوا من أجلي) إلا أن هذه الكتابة أزيلت منذ زمن.
هذه الأبنية بنيت بحجارة كلسيّة كبيرة الحجم منحوتة بدقة ونظراً لدقتها لم تحتج إلى مؤونة أو (ملاط) لتماســكها، وقد عالج المعمار السـوري قوى الضغط الحاصلة من السقوف فعمد إلى الشكل الأفقي للمداميك التي تتباين ارتفاعاتها في معظم الأحيان بين /20-25سم/. ونظراً لطواعية هذا الحجر الجيري فقد نقـش البناؤون رموزاً مسيحيّة على مداخل الكنائـس و(الفيلات) كدائرة وبداخلها صليب أو طغراء أو رموز مسـيحية أخرى.
وفي النهاية إنّ هذه المجموعات العمرانية ذات طابع شرقي سوري أصيل، إن كان بعض هذه المباني تأثر بالعمارة البيزنطية، أو الرومانية، أو اليونانية، إلا أنّ المدرسة السورية لهذه العمارات باديــة لكل دارس ومتأمل، وإن دلّ هذا على شئ فإنّما يدلّ على العمق الثقافي والهندسي للمعمار السوري القديم، وإنّ هذه المباني الدينية المسيحية تعزز القول بأن سورية هي ممر عبور الدين المسـيحي الذي وصل إلى أوروبا عبر أنطاكّية.
........
المصادر:
*سورية ملتقى الشعوب الحضارات {مجموعة أبحاث اثرية تاريخية }
*آثار سورية المسيحية {المكتبة الروحية –حلب عام 2000}
*كنيسة القديس سمعان العمودي {عبد الله حجار}
