كثيرة هي الأفراح والمناسبات التي مازلنا نحتفظ ونحتفل بها في الريف والمدن السورية، ولكن للريف خاصيتها في الاحتفال بمناسبات معينة ومحددة كالحمل والولادة والطهور، هذه الأفراح التي لها عادة وتقاليد كأفراح العرس والخطوبة.
موقع "eSyria" بتاريخ 28/10/2009 التقى بالكاتب والباحث الدكتور "محمود محفوظ سمور" ليحدثنا عن هذه الأفراح التي مازالت منتشرة في ريفنا السوري الغني بعبق التاريخ ورائحة التراب، وبداية الحديث معه كانت عن أفراح الحمل: «لم يقتصر فهم الإنسان للنكاح بأنه إرواء للذة طبيعية لديه فقط، إنما أدركه أيضاً سبيلاً لتحقيق آماله بالاستمرار وبالخلود لنفسه على وجه الأرض، لقد أدرك أهمية النكاح أو الزواج في النتائج الحية المتمخضة عنه، والتي تتجسد عادة بذرية تحفظ أسمه حياً بعد وفاته، تعني لديه الامتداد لشخصيته، ولذا يقول مثل شعبي "من خلّف ما مات"، وهي تعني التعويض لما أعطى الرجل في حياته، إذن الذرية ثمرة جميلة لمشاعر الحب بين الجنسين والعقد الأوثق لاستمرار العلاقة الزوجية».
أخيراً تحين آلام المخاض، وبحسب العادة، كانت أم الزوجة وأم الزوج تدعوان بالإضافة للداية "القابلة" بعض النسوة والأقارب والمقربات بغرض مؤانسة الوّلادة وتشجيعها على تحمل آلام المخاض، أو ليكنّ شهود عيان على جنس المولود وأوصافه
يكمل "سمور" وهو يبحر في صفحات ذاكرته ذات الستين عاماً: «لما كان في الحمل الطمأنينة للأنثى على خصوبتها، وعلى مكانتها في الأسرة على ضمان بقائها عضواً أصيلاً ودائماً فيها، وكذلك بالنسبة للرجل طمأنينة له على رجولته وعلى مستقبله، ندرك معنى الاهتمام والفرحة بالحمل الأول للزوجة بمولودها، فحينما كان يتأكد للجميع ثبوت الحمل، أي بعد أربعين يوماً من بدئه تقريباً، يهب أهل الزوجين كما جرت العادة لدى معظم أهالي الريف في سورية لدعوة النسوة الأقارب والجارات لتناول أكلة "الطقطوق"، وذلك تعبيراً عن فرحتهم بهذا الحدث من جهة، وإعلاناً عن الحمل من جهة أخرى».
بعد الاحتفال بفرحة الحمل يكمل لنا الدكتور "سمور" حديثه عن أفراح الولادة وبما يسمى "سفرة" الخلاص قائلاً: «أخيراً تحين آلام المخاض، وبحسب العادة، كانت أم الزوجة وأم الزوج تدعوان بالإضافة للداية "القابلة" بعض النسوة والأقارب والمقربات بغرض مؤانسة الوّلادة وتشجيعها على تحمل آلام المخاض، أو ليكنّ شهود عيان على جنس المولود وأوصافه».
ويتابع "سمور": «ما هي إلا لحظات حتى ينطلق صراخ المولود، وسرعان ما ترسل الأنظار باحثة عن جنسه، وتهرع إحداهن لتزف البشرى إلى الزوج بارتزاقه من الله طفلاً أو طفلة، في حين تنهمك الداية بالطفل، فتقطع له الحبل السري وتربطه بخيط من القطن الثخين، ثم تنفخ في وجهه وتخضه مرات عديدة كي يحسن استنشاق الهواء، ثم تغسله بالماء المالح وتمسح عينيه وحنكيه ولوزاته بذات المحلول، وترش الملح الناعم تحت إبطيه وبين مفاصله وفي مطوى اليدين والرجلين، ثم تحشو بدُبُره مسحوق الريحان، وبالتالي تلبسه ما خيط له مسبقاً من الألبسة "الديارة" ثم تلفه لفاً محكماً بوساطة ما كانت تسمى به "القنداقة" و"التكة"، وأخيراً تضع على رأسه طاقية وتسطحه إلى جانب أمه».
أما عن "سفرة الخلاص" فيكمل: «عند الانتهاء والخلاص من هذه العملية توضع المائدة أمام الحاضرات والمدعوات اللواتي حضرن ليهنئن الزوجة بسلامتها يقولهن لها "الحمد الله على قومتك بالسلامة" وبالخلقة التامة للمولود الجديد، وكذلك يهنئن الزوج بقولهن له "يعيش ويربى بدلالك"، ومن ثم يتقدمن لتناول الطعام، وهذه ماكانت تعرف بـ"سفرة الخلاص"».
هكذا ويصل الطفل إلى مرحلة الرضاعة، وعن ذلك يقول "سمور": «ما هي إلا أيام حتى يحسن الطفل فيها الرضاعة، وتبدأ الأم تسقيه خلالها حناناً وحليباً، فلا تراها إلا منحنية عليه تهدهد له من فوق سريره لينام هنيئاً على ترنيمات نذكر منها "نام يا أمي نام لذبحلك طير الحمام، ياحمامات لاتناموا بضحك ع ابني لينام"، وقد تتبعها بترنيمات هادئة ومؤثرة مثل "ياحادي العيس مثل العين داريهم ياحادي العيس خذ روحي وخليهم...".
وينهي الدكتور "محمود محفوظ سمور" حديثه معنا بقوله: «هذا هو الريف السوري المشبع بعادات وتقاليد مازالت تحضر وسطهم، وهذه العادات ليست إلا حزءاً من تراثنا وحضارتنا التي اختلطت مع التراب ونسجت ثوباً قرمزياً يتحدث عنه الغرباء والأجانب مفتخرين به».
